السُّهى١ عاليةً. فإن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فَلْيجلس مجلسَ الحكم بين الفريقين، ويحكُمْ بما يُرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين؛ فإن الدين كلَّه لله، وإنِ الحكم إلا لله. ولا ينفع في هذا المقام: «قاعدةُ المذهب كيتَ وكيتَ»، و«قطع به جمهورٌ من الأصحاب»، و«تحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا»، و«صحَّح هذا القولَ خمسة عشر، وصحح الآخرَ سبعة». وإن علا نسبُ علمِه قال: «نصَّ عليه»، فانقطع النزاع، ولُزَّ٢
ذلك النصُّ في قَرَن الإجماع. والله المستعان، وعليه التكلان.
فصل
قال المتوسِّطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه أنزل٣ الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان. وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه. ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح. بل كلُّها
(١) كوكب صغير خفيّ في وسط بنات نعش.
(٢) ع: «ولو»، تصحيف. وفي المطبوع: «ولزم»، ولعله من أخطاء الطبع. والمراد أنَّ نصَّ الإمام جُعِل مع الإجماع في قرَن واحد، كأنهما نِدَّان. يقال للبعيرين إذا قُرِنا في قرَن واحد: قد لُزَّا. ومنه قول جرير: وابنُ اللبون إذا ما لُزَّ في قرَنٍ ... لم يستطع صولةَ البُزْل القناعيسِ انظر: «ديوانه» (١/ ١٢٥).
(٣) في النسخ المطبوعة: «قد أنزل».
متصادقة متعاضدة متناصرة يصدِّق بعضُها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياسُ الصحيحُ النصَّ الصحيحَ أبدًا.
ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر. فكما [٢٠٠/أ] أن أخباره لا تخالف العقل١ الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملةً أو جملةً وتفصيلًا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه٢ من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقلُّ بالشهادة به ولكن لا يخالفه. وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال، وهو ورودُها بما يردُّه العقل الصريح٣، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.
وهذه الجملة إنما تتفصَّل٤ بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين:
إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلَّفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا. فعلمُه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف
(١) في النسخ الخطية: «القول»، وهو تصحيف أو سهو كان في الأصول.
(٢) في النسخ الخطية: «أدركته»، يعني: العقول، ولكن مقتضى السياق ما أثبت من المطبوع.
(٣) يعني: الخالص. وكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «الصحيح».
(٤) ضبط في س، ح بتشديد الصاد المفتوحة. وفي النسخ المطبوعة: «تنفصل»، تصحيف. وتفصَّل مطاوع فصَّل، لم تنصّ عليه المعاجم، ولكن المصنف استعمله في كتاب «الفوائد» (ص ١٦١) أيضًا. قال: «... بل عرفه معرفة مجملة، وإن تفصَّلت له في بعض الأشياء». وانظر: «بيان تلبيس الجهمية» لشيخ الإسلام (٥/ ١٢٥).