وغيرها، وأمرُه ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أعمالهم١ التكليفية. فلا يخرج فعلٌ من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله، بكلامه وكلام رسوله، جميعَ ما أمرَ٢ به، وجميعَ ما نهى عنه، وجميعَ ما أحلَّه، وجميع ما حرَّمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾٣[المائدة: ٣]. ولكن قد يقصُر فهمُ أكثر الناس عن فهم ما دلَّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وتنويعها٤. وتفاوتُ الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساويةً [٢٠٠/ب] لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خصَّ سبحانه سليمانَ بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم.
وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: «الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك»٥. وقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه»٦. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ٧. ودعا النبيُّ ﷺ لعبد الله بن عباس أن
(١) ع: «أفعالهم»، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد وقع تقديم وتأخير في أجزاء هذه الجملة والجملة السابقة في س، ح، ف، ففيها: «... أفعال عباده وعفوه وأمره ونهيه وإباحته الواقعة تحت التكليف وغيرها قد أحاط ...».
(٢) في النسخ المطبوعة: «أمره».
(٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «وأتممت عليكم نعمتي».
(٤) ع: «وموقعها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) سبق تخريجه.
يفقِّهه في الدين ويعلِّمه التأويل١. والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى، التي هي آخيَّته٢ وأصله. وليس كلُّ من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختصُّ به الراسخون في العلم. وليس المراد به٣ تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه.
فصل٤
والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق:
فرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشْرِ معشارها٥. قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص. ولَعَمرُ الله إنَّ هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته، لا مقدارها في نفس الأمر. واحتجَّ هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع٦. وهذا احتجاج فاسد جدًّا من وجوه:
(١) سبق تخريجه.
(٢) تقدم تفسيرها. ويريد أن المعنى يدور حول تلك الحقيقة.
(٣) «به» ساقط من ح، ف.
(٤) قارن هذا الفصل بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة (ص ٢٧٤ - ٢٧٦) ضمن «جامع المسائل»، المجموعة الثانية. فإنما هو مأخوذ منه مع بعض الزيادات. وكذلك الفصول التالية.