إعلام الموقعين

القضاء والشرع. وجعلوا كلَّ مقدور فهو١ عدل، والظلمُ عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين.

وهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنَّة في إثبات القدر، وخالفوا القدرية النُّفاة٢، فقد أصابوا في إثبات القدر وتعلُّقِ٣ المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلَّق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في بيان٤ تناقض القدرية النفاة؛ ولكن ردُّوا من الحقِّ المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلَّطوا عليهم به خصومَهم، وصاروا [٢٠٢/ب] ممن ردَّ بدعة ببدعة، وقابلَ الفاسد بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفَوه من الحقِّ من الردِّ عليهم، وبيان تناقضهم، ومخالفتهم للشرع٥ والعقل.

فصل٦

الفرقة الثالثة: قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقرُّوا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه، ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة. وقالوا: إن عِلَلَ الشرع إنما هي مجرَّد أمارات وعلامات محضة، كما قالوه في ترك الأسباب. وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سبب فيه. والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببًا

  1. (١) ت: «هو».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «والنفاة».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «وتعليق»، ولعل من غيَّر ظنَّ أن «تعلّق» معطوف على «إثبات».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «إثبات».
  5. (٥) ع: «الشرع»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  6. (٦) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
152

في حصول الخير والشر. وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض، قالوا: أحدهما دليل على الآخر، مقارن له اقترانًا عاديًّا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه.

وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاث١، وطالبُ الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب، ومناقضة بعضها لبعض، ومعارضة بعضها ببعضٍ٢ = بقي في الحيرة، فتارةً يتحيَّز إلى فرقة منها، له ما لها وعليه ما عليها، وتارةً يتردَّد بين هذه الفِرَق تميميًّا٣ مرّةً وقيسيًّا أخرى! وتارةً يُلقي الحربَ بينهما، ويقِف في النظّارة. وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب [٢٠٣/أ] كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون: مِن إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثباتِ لام التعليل وباء السببيَّة في القضاء والشرع، كما دلَّت عليه النصوص، مع صريح العقل والفطرة؛ فاتفق٤ عليه الكتاب والميزان.

ومن تأمَّلَ كلامَ سلف الأمة وأئمة السنَّة٥ رآه ينكر قولَ الطائفتين

  1. (١) ت: «الثلاثة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «لبعض».
  3. (٣) ما عدا ع: «يمنيًّا»، ولعله تصحيف. قال المبرِّد في «الكامل» (٣/ ١٠٩١): «ومن كلام العرب: أتميميًّا مرةً وقيسيًّا أخرى». فنصَّ على أن المثل هكذا جاء في كلام العرب، وإلا يجوز ما ورد في النسخ لما كان بين القيسية واليمانية من الصراع في عهد بني أمية.
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «واتفق».
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «وأئمة أهل السنة».
153

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي