ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك. قالوا: والحديث الذي تحتجُّون به من أكبر حججنا، فإنه منع المصلِّيَ بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك؟١.
ومن ذلك: لو شكَّ هل طلق واحدةً أو ثلاثًا، فإنّ مالكًا [٢٠٦/أ] يُلزِمه بالثلاث، لأنه تيقَّن طلاقًا، وشكَّ هل هو مما تُزيل أثرَه الرجعةُ أم لا؟ وقول الجمهور في هذه المسألة أصح، فإن النكاح متيقَّن، فلا يزول بالشك. ولم يعارض يقينَ النكاح إلا شكٌّ محضٌ، فلا يزول به. وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شكَّ في انتقاضها، فإن الأصل هناك شغلُ الذمة، وقد وقع الشكُّ في فراغها. ولا يقال هنا: الأصلُ٢ التحريمُ بالطلاق وقد شككنا في الحِلِّ، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقَّن، وقد حصل الشكُّ فيما يرفعه. فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقَّن، ثم شكَّ في زواله. فإن قيل: هو متيقِّن للتحريم بالطلاق شاكٌّ في الحِلِّ بالرجعة، فكان جانبُ التحريم أقوى. قيل: ليست الرجعية بمحرَّمة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزيَّن له وتتعرَّض له، وله أن يطأها. والوطء رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده٣. وهي زوجه٤ في جميع الأحكام إلا في القَسْم خاصّة. ولو سُلِّم أنها محرَّمة، فقولكم: «إنه متيقِّن للتحريم» إن أردتم
(١) وانظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٣١٨ - ٣٢٠).
(٢) في النسخ المطبوعة: «إن الأصل».
(٣) «وحده» ساقط من ع.
(٤) ت، ع: «زوجة». وفي النسخ المطبوعة: «زوجته».
به التحريم المطلق، فهو١ غير متيقَّن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث، فإن مطلق التحريم أعمُّ من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعمِّ ثبوتُ الأخصِّ. وهذا في غاية الظهور.
فصل٢
القسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع. وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة؟ على قولين:
أحدهما: أنه [٢٠٦/ب] حجة، وهو قول المزَني، والصَّيرفي٣، وابن شاقْلا، وابن حامد٤، وأبي عبد الله الرازي٥.
والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد٦، وأبي الطيب الطبري، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والحُلْواني٧، وابن