إعلام الموقعين

الزاغوني. وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محلِّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة. فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحَب، إذ يمتنع دعوى الإجماع في محلِّ النزاع. والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته، أو لأمرٍ منتفٍ فيستصحب نفيه.

قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محلِّ النزاع. وهذا حق، ونحن لم ندَّعِ الإجماع في محلِّ النزاع، بل استصحبنا حال المجمَع عليه حتى يثبت ما يزيله.

قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله. فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبَتَ بغير دليل.

قال المثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتَّى يلزمَ من زوال العلة زوالُ معلولها، ومن زوال السبب زوالُ حكمه. وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر مستند إلى نصٍّ أو معنى نصٍّ؛ فنحن نعلم أن الحكم المجمَع عليه ثابت في نفس الأمر. والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا [٢٠٧/أ] ويجوز أن يكون منتفيًا. لكن الأصل بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الأول١، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبقيه٢، فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «الحكم الأول».
  2. (٢) في المطبوع: «يبينه»، وفي الطبعات السابقة: «ينفيه». والصواب ما أثبت من النسخ. وكذا في «جامع المسائل».
163

إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير١. وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ٢ أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة.

والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ولكن٣ لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به٤ لمن لم يعرف الأدلّة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لم يعرف٥ الأدلة الناقلة.

وبالجملة، فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل. فإن قطَع المستدلُّ بانتفاء الناقل قطَع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمد ﷺ وأنها٦ غير منسوخة. وإن ظنَّ انتفاءَ الناقل، أو ظنَّ انتفاءَ دلالته= ظنَّ انتفاء النقل. وإن كان الناقل معنًى مؤثِّرًا٧، وتبيَّن له عدمُ

  1. (١) ع: «التغير»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «جامع المسائل».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «يظن به». ولا وجود لزيادة «به» في «جامع المسائل» أيضًا.
  3. (٣) في ت: «من»، وفي غيرها والنسخ المطبوعة: «ومن»، ولكن في الجملة التالية في ح، ف، ت: «ولا يجوز»، فلم يتم الكلام، فحذف واو العطف في ع، وأثبت في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز». والنص منقول من كلام شيخ الإسلام بحروفه تقريبًا، وفيه: «ولكن لا يجوز ... ولا يجوز»، فالظاهر أن «ومن» في النسخ تحريف.
  4. (٤) «إلا بعد معرفة ... به» ساقط من ع لانتقال النظر.
  5. (٥) في ع والنسخ المطبوعة: «لمن يعرف» بإسقاط «لم».
  6. (٦) ع: «فإنها».
  7. (٧) ع: «مؤيدا»، تصحيف.
164

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي