إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير١. وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ٢ أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة.
والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ولكن٣ لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به٤ لمن لم يعرف الأدلّة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لم يعرف٥ الأدلة الناقلة.
وبالجملة، فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل. فإن قطَع المستدلُّ بانتفاء الناقل قطَع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمد ﷺ وأنها٦ غير منسوخة. وإن ظنَّ انتفاءَ الناقل، أو ظنَّ انتفاءَ دلالته= ظنَّ انتفاء النقل. وإن كان الناقل معنًى مؤثِّرًا٧، وتبيَّن له عدمُ
(١) ع: «التغير»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «جامع المسائل».
(٢) في النسخ المطبوعة: «يظن به». ولا وجود لزيادة «به» في «جامع المسائل» أيضًا.
(٣) في ت: «من»، وفي غيرها والنسخ المطبوعة: «ومن»، ولكن في الجملة التالية في ح، ف، ت: «ولا يجوز»، فلم يتم الكلام، فحذف واو العطف في ع، وأثبت في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز». والنص منقول من كلام شيخ الإسلام بحروفه تقريبًا، وفيه: «ولكن لا يجوز ... ولا يجوز»، فالظاهر أن «ومن» في النسخ تحريف.
(٤) «إلا بعد معرفة ... به» ساقط من ع لانتقال النظر.
(٥) في ع والنسخ المطبوعة: «لمن يعرف» بإسقاط «لم».
(٦) ع: «فإنها».
(٧) ع: «مؤيدا»، تصحيف.
اقتضائه= تبيَّن له بقاءُ١ النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء.
وهكذا كلُّ من وقع النزاعُ في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصل بقاء طهارته؛ كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمسِّ [٢٠٧/ب] النساء لشهوة وغيرها، وبأكل ما مسَّته النار، وغسلِ الميت، وغير ذلك= لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتبيَّن٢ له بطلانُ ما يوجب الانتقال، وإلا بقي شاكًّا. وإن لم يتبيَّن له صحة الناقل ــ كما لو أخبره فاسق بخبر ــ فإنه مأمور بالتبيُّن والتثبُّت، لم يؤمر بتصديقه٣ ولا تكذيبه٤، فإن كليهما ممكن منه. وهو مع خبره لا يستدلُّ باستصحاب الحال، كما كان يستدلُّ به بدون خبره. ولهذا جُعِل لَوْثًا وشبهةً. وإذا شهد مجهولُ الحال فإنه هناك شاكٌّ في حال الشاهد، ويلزم منه الشكُّ في حال المشهود به. فإذا تبيَّن كونُه عدلًا تمَّ الدليل. وعند شهادة المجهولين تضعُف البراءةُ أعظمَ مما تضعُف عند شهادة الفاسق، فإنه في الشاهد قد يكون دليلًا ولكن لا تُعرَف دلالتُه، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجودُ المدلول٥ في هذه الصورة، فإنَّ صدقَه ممكن.
(١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «انتفاء»، والصواب ما أثبت من «جامع المسائل».
(٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: «يتيقَّن»، وهو تصحيف ما أثبت من «جامع المسائل»، ويؤيده قوله بعده: «له».
(٣) في «جامع المسائل»: «لم يؤثر تصديقَه».
(٤) ع: «بتكذيبه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) ع: «المدلول عليه». ولم ترد زيادة «عليه» في غيرها ولا في «جامع المسائل».