وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارةً بنسخها، وتارةً بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارةً بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارةً بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق»١، وكقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ»٢، وبقوله٣ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[البقرة: ٢٢٩] ونظائر هذه الآية.
قالوا: فصحَّ بهذه النصوص إبطالُ كلِّ عهد وعقد ووعد وشرط ليس في
(١) أخرجه البخاري (٢١٦٨) ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) السياق: «بمعارضتها بنصوص أخر كقول النبي ﷺ ... وبقوله تعالى». وفي ع والنسخ المطبوعة: «وكقوله».
كتاب الله الأمرُ به أو النصُّ على إباحته. قالوا: وكلُّ شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن١ فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبُه قد التزم فيه إباحة ما حرَّم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه؛ ولا خامس لهذه الأقسام البتة. فإن ملَّكتم المشترط والمعاقد والمعاهد [٢١٠/ب] جميعَ ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا.
فصل
قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة، تتضمَّن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحِلُّ العمل بها، وتجب مخالفتها. وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تُسمَع دعواه، وأين التحاكم٢ إلى الاستصحاب والتشبُّث٣ به ما أمكنكم؟
وأما تخصيصها، فلا وجه له. وهو يتضمن إبطال ما دلَّت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله.
وأما ضعفُ بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.
(١) ح، ف: «الإيذان».
(٢) ع: «التجاؤكم».
(٣) ع: «التسبب»، وفي المطبوع: «التثبت»، وكلاهما تصحيف.