كتاب الله الأمرُ به أو النصُّ على إباحته. قالوا: وكلُّ شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن١ فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبُه قد التزم فيه إباحة ما حرَّم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه؛ ولا خامس لهذه الأقسام البتة. فإن ملَّكتم المشترط والمعاقد والمعاهد [٢١٠/ب] جميعَ ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا.
فصل
قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة، تتضمَّن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحِلُّ العمل بها، وتجب مخالفتها. وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تُسمَع دعواه، وأين التحاكم٢ إلى الاستصحاب والتشبُّث٣ به ما أمكنكم؟
وأما تخصيصها، فلا وجه له. وهو يتضمن إبطال ما دلَّت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله.
وأما ضعفُ بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.
(١) ح، ف: «الإيذان».
(٢) ع: «التجاؤكم».
(٣) ع: «التسبب»، وفي المطبوع: «التثبت»، وكلاهما تصحيف.
وأما معارضتها بما ذكرتم، فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض. وهذا إنما يُعرَف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله». ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلِمت من السنة. فعُلِم أن المراد بكتاب الله حكمه، كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾[النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ: «كتابُ الله: القصاص»١ في كسر السِّنِّ. فكتابه سبحانه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكَم به على لسان رسوله. ومعلوم أن كلَّ شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله قد حكم بأن الوَلاء [٢١١/أ] للمُعتِق، فشُرِط خلافُ ذلك كان٢ شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا؟٣ وتعدِّي حدود الله هو تحريم ما أحلَّه الله، أو إباحة ما حرَّمه، أو إسقاط ما أوجبه؛ لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه. بل تحريمه هو نفس تعدِّي حدوده.
وأما ما ذكرتم من تضمُّن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة، ففاتكم قسم خامس، وهو الحقُّ، وهو ما أباح الله سبحانه للمكلَّف تنويعَ أحكامه بالأسباب التي ملَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحِلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه. وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كلُّ ذلك من أحكامه سبحانه. فهو الذي أحلَّ وحرَّم، وأوجب وأسقط؛ وإنما إلى
(١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣) من حديث أنس ﵁.
(٢) في النسخ المطبوعة: «يكون»، كأن بعضهم قرأ: «فشرطُ خلافِ ذلك»، فغيَّر الفعل.
(٣) زِيد في المطبوع بعده بين حاصرتين: «وتعدِّيًا لحدوده».