وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجَودة قريحته١، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ٢ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك.
وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمرو٣ أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له. وكان الصدِّيق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد الله بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمرو٤. وقد أنكر النبيُّ ﷺ على عمر فهمَه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: «إنك ستأتيه وتتطوَّف به»٥، فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على
(١) أضاف بعضهم في ح باء الجر: «بقريحته» إذ قرأ: «جُوده». ولهذا الخطأ في قراءة الكلمة أثبت في ع: «جوده وقريحته». والصواب ما أثبت، وهو المقترح في حاشية ف. وفي النسخ المطبوعة: «وجودة فكره وقريحته»، والظاهر أن من أضاف كلمة فكره كانت نسخته موافقة لنسخة ع.
(٢) ع: «ومعرفة الألفاظ».
(٣) ت: «عمر». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) هنا في ت أيضًا كما أثبت من غيرها. ولكن في النسخ المطبوعة: «عمر».
(٥) انظر حديث صلح الحديبية. أخرجه البخاري (٢٧٣١) ولفظه: «فإنك آتيه ومطوِّف به». وفي ع: «تطوف»، وكذا في النسخ المطبوعة.
تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العِقالين١. وأنكر على من فهم من قوله: «لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقالُ ذرَّة٢ من كِبْر» شمولَ لفظه لحسن الثوب وحسن النعل، وأخبرهم أنه «بطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس»٣.
وأنكر على من فهم من قوله: «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءه، ومن كرِه لقاءَ الله كره اللهُ لقاءه»٤ أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر [٢١٣/أ] إذا احتُضِر وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاءَ الله، واللهُ يكره لقاءه؛ وأن المؤمن إذا احتُضِر وبُشِّر بكرامة الله أحبَّ لقاء الله، وأحبَّ الله لقاءه.
وأنكر على أم سلمة٥ إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾[الإنشقاق: ٨] معارضته لقوله ﷺ: «من نوقش الحساب عُذِّب»٦ وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة٧.
وأنكر على من فهم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء: ١٢٣]
(١) سبق تخريجه.
(٢) ع: «كان في قلبه مثقال حبة»، وفي النسخ المطبوعة «كان ... حبة خردلة».
(٣) أخرجه مسلم (١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٠٧) من حديث عبادة بن الصامت. ومسلم (٢٦٨٤) من حديث عائشة. وانظر: «درء التعارض» (٢/ ١٣٢).
(٥) كذا في النسخ، والصواب: «عائشة» كما في «الصحيحين».
(٦) أخرجه البخاري (٤٩٣٩) ومسلم (٢٨٧٦) من حديث عائشة.