إعلام الموقعين

ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾١ وهو ﷺ كان يسبح بحمده دائمًا. [٢١٥/أ] فعُلِم أن المأمور به من التسبيح٢ بعد الفتح ودخول الناس في الدين٣ أمرٌ أكبر٤ من ذلك المتقدِّم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقِّيه إلى ذلك المقام بقيةٌ، فأمره بتوفيتها.

ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال. فشرَعها في خاتمة الحج، وقيام الليل. وكان النبي ﷺ إذا سلَّم٥ استغفر ثلاثًا٦ وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين»٧. فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب

  1. (١) في ت زيادة: «واستغفره»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «ذلك التسبيح».
  3. (٣) ت: «والدخول في الدين». وفي النسخ المطبوعة: «هذا الدين»، فزادوا هنا: «هذا»، كما زادوا من قبل: «ذلك».
  4. (٤) ح، ف: «أكثر».
  5. (٥) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «من الصلاة».
  6. (٦) أخرجه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان.
  7. (٧) رواه الترمذي (٥٥) من حديث عمر ﵁ مرفوعًا، وأَعَلَّ الحديث بالاضطراب. لكن الراجح أن أصل الحديث صحيح، صحّحه مسلمٌ (٢٣٤) وغيرُه، لكن زيادة: «اللهم اجعلني ...» منكرة، لا تصح. وأما تطريق أبي علي الغساني في «تقييد المهمل» (٣/ ٧٨٩) احتمال الوهم فيه إلى الترمذي؛ فأمر عجيب، والصواب ما حرّره ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢٤١، ٢٣٨). وروى الزيادة أيضًا الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤٨٩٥)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٢) من حديث ثوبان ﵁ مرفوعًا، ولا يصح. ويُنظر: «السنن الصغير» للبيهقي (١/ ٥١)، ونتائج الأفكار لابن حجر (١/ ٢٣٨ - ٢٤٤).
187

الأعمال الصالحة. فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا. فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشَرع له الاستغفار عقيبَها١.

والمقصود: تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمَين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرَّد اللفظ، دون سياقه ودون إيمائه وتنبيهه٢ وإشارته واعتباره.

وأخَصُّ من هذا وألطَف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعَلِّق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبَّه٣ له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقِه به.

وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ [٢١٥/ب] يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تلد لستة أشهر٤.

وكما فهم الصدِّيق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة

  1. (١) وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٩٢ - ١٩٣) و(٣/ ٤٠٢ - ٤٠٤).
  2. (٢) ع: «وإشارته وتنبيهه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) ع: «ينتبه»، وكذا في المطبوع.
  4. (٤) سبق تخريجه قريبًا.
188

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي