وقد أرشد النبيُّ ﷺ عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة، وراجعه السؤال فيها مرارًا، فقال: «يكفيك آية الصيف»٢. وإنما أشكل على عمر قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]، فدلَّه النبيُّ ﷺ على ما يبيِّن له المراد منها، وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه ورَّث فيها ولد الأم في الكلالة السدس، ولا ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد، وإن علا.
ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم، وقد بيَّنتها النصوص؛ ومسائل قد احتُجَّ فيها بالقياس، وقد بيَّنها النصُّ وأغنى فيها عن القياس.
المسألة الأولى: المشرَّكة٣. وقد دلَّ القرآن على اختصاص ولد الأم فيها بالثلث، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ
(١) يُنظر: «السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٣١).
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) في النسخ المطبوعة: «المشتركة في الفرائض»، وكأن بعض الناشرين تصرَّف في النص. وهي التي اجتمع فيها زوج وأم ــ أو جدَّة ــ واثنان فصاعدًا من ولد الأم وعصبةٌ من ولد الأبوين. وتسمَّى أيضًا «الحمارية» لقول بعضهم لعمر بن الخطاب: هَبْ أن أبانا كان حمارًا، أليست أمُّنا واحدةً؟ انظر: «المغني» لابن قدامة (٩/ ٢٤). وقارن بكلام شيخ الإسلام في «قاعدة شمول النصوص» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٩٦ - ٣٠٥).
شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وهؤلاء ولد الأم. فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث، بل يزاحمهم فيه غيرهم. فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم، إلغاء لقرابة الأب. قيل: هذا وهم، لأن الله سبحانه قال في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾١ فذكَر حكمَ واحدهم وجماعتهم [٢١٦/أ] حكمًا يختصُّ به الجماعة منهم كما يختصُّ به واحدهم. وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾[النساء: ١٧٦].
فذكَر حكمَ ولد الأب والأبوين واحدِهم وجماعتِهم، وهو حكمٌ يختصُّ به جماعتهم كما يختصُّ به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم. وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخر، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر. وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين والأب٢ بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع، كما فسَّرته قراءة بعض الصحابة: «من أم»٣. وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق.
ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين، وهم أصحاب فرض مقدَّر
(١) في النسخ الخطية: «وإن كانوا ...».
(٢) في النسخ المطبوعة: «أو الأب».
(٣) رواه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٢٩٧)، وسعيد بن منصور (٥٩٢ التفسير)، والدارمي (٣٠١٨)، وابن جرير في «جامع البيان» (٦/ ٤٨٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤٩٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبير» (٦/ ٣٧٩).