عباس: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كلَّه مع الزوجين، أو كما قال. بل كتاب الله يمنع إعطاءها الثلث مع أحد الزوجين، فإنه لو أعطاها الثلث مع الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث، فكانت تستحقُّه مطلقًا. فلما خصَّ الثلث ببعض الأحوال عُلِم أنها لا تستحقه مطلقًا. ولو أعطيته مطلقًا لكان قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ زيادةً في اللفظ ونقصًا في المعنى، وكان ذكره عديم الفائدة. ولا يمكن أن تعطى السدس، لأنه إنما جُعِل لها مع الولد أو الإخوة. فدلَّ القرآن على أنها لا تعطى السدس مع أحد الزوجين ولا تعطى الثلث، وكان قسمة ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثل قسمة أصل المال [٢٢١/ب] بينهما. وليس بينهما فرق أصلًا، لا في القياس ولا في المعنى.
فإن قيل: فهل هذه دلالة خطابية لفظية أو قياسية محضة؟
قيل: هي ذات وجهين. فهي لفظية من جهة دلالة الخطاب، وضمِّ بعضه إلى بعض، واعتبار بعضه ببعض. وقياسية من جهة اعتبار المعنى، والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. وأكثر دلالات النصوص كذلك كما في قوله: «من أعتق شِرْكًا له في عبد»١، وقوله: «أيُّما رجلٍ وجد متاعَه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحقُّ به»٢، وقوله: «من باع شِرْكًا له في أرض أو رَبْعة أو حائط»٣ حيث يتناول الحوانيت، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ
(١) أخرجه البخاري (٢٤٩١) ومسلم (١٥٠١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٠٨).
الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] فخصَّ الإناث في اللفظ١، إذ كن سبب النزول، فنصَّ عليهن بخصوصهن. وهذا أصحُّ مِن فهم مَن قال من أهل الظاهر: المراد بالمحصنات: الفروج المحصَنات؛ فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ، ولا من قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾[النساء: ٢٥]، ولا من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾[النساء: ٢٤]، ولا من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾[النور: ٢٣]. بل هذا من عرف الشارع، حيث يعبِّر باللفظ الخاص عن المعنى العام. وهذا غير باب القياس.
وهذا تارةً يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عامًّا [٢٢٢/أ] كقوله: «لا يملكون نقيرًا»، و﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾[فاطر: ١٣]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾[النساء: ٤٩] ونحوه، وتارةً لكونه قد عُلِم بالضرورة من خطاب الشارع تعميمُ المعنى لكلِّ ما كان مماثلًا للمذكور، وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحكم.
فصل
المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عَصبة٢. فإن القرآن يدل عليه، كما أوجبته السنة الصحيحة؛ فإن الله سبحانه قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
(١) في النسخ المطبوعة: «باللفظ».
(٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣١٨ - ٣٣٢)