الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] فخصَّ الإناث في اللفظ١، إذ كن سبب النزول، فنصَّ عليهن بخصوصهن. وهذا أصحُّ مِن فهم مَن قال من أهل الظاهر: المراد بالمحصنات: الفروج المحصَنات؛ فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ، ولا من قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾[النساء: ٢٥]، ولا من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾[النساء: ٢٤]، ولا من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾[النور: ٢٣]. بل هذا من عرف الشارع، حيث يعبِّر باللفظ الخاص عن المعنى العام. وهذا غير باب القياس.
وهذا تارةً يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عامًّا [٢٢٢/أ] كقوله: «لا يملكون نقيرًا»، و﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾[فاطر: ١٣]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾[النساء: ٤٩] ونحوه، وتارةً لكونه قد عُلِم بالضرورة من خطاب الشارع تعميمُ المعنى لكلِّ ما كان مماثلًا للمذكور، وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحكم.
فصل
المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عَصبة٢. فإن القرآن يدل عليه، كما أوجبته السنة الصحيحة؛ فإن الله سبحانه قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
(١) في النسخ المطبوعة: «باللفظ».
(٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣١٨ - ٣٣٢)
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وهذا دليل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد، وأنه هو يرث المال كلَّه مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك، إذ لو كان كذلك لكان قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ زيادةً في اللفظ، ونقصًا في المعنى، وإيهامًا لغير المراد؛ فدلَّ على أنها مع الولد لا ترث النصف، والولد إما ذكر وإما أنثى، فأما الذكر فإنه يُسقِطها كما يُسقِط الأخ بطريق الأولى.
ودلَّ قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ على أن الولد يُسقِطه كما يُسقطها. وأما الأنثى فقد دلَّ القرآن على أنها إنما تأخذ النصف، ولا تمنع١ الأخ عن النصف الباقي إذا كان٢ بنت وأخ. بل دلَّ القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ [٢٢٢/ب] ... وَالْأَقْرَبُونَ﴾[النساء: ٣٣]. وقال النبي ﷺ: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ»٣. وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض، وإنما صريحُه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد. فبقي هاهنا ثلاثة أقسام: إما أن يُفرَض لها أقلُّ من النصف، وإما أن تُحرَم بالكلية، وإما أن تكون عصَبة. والأول محال، إذ ليس للأخت فرض مقدَّر غير النصف، فلو فرضنا لها أقلَّ منه لكان ذلك