وأما من جهة فهم النصِّ، فإن الله سبحانه قال في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ولم يمنع ذلك ميراثَه منها إذا كان الولد أنثى. فهكذا قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد، أو ترث الباقي إذا كان نصفًا؛ لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد. فتأمَّلْه، فإنه ظاهر جدًّا.
وأيضًا فالأقسام ثلاثة: إما أن يقال: يفرض لها النصف مع البنت. أو يقال: تسقط معها بالكلية. أو يقال: تأخذ ما فضَل بعد فرض البنت أو البنات. والأول ممتنع للنص٢ والقياس، فإن الله سبحانه إنما فرض لها النصف مع عدم الولد، فلا يجوز إلغاءُ هذا الشرط، وفرضُ النصف لها مع وجوده. والله سبحانه إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالةً، لا ولد له ولا والد. فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالةً، فلا يُفرَض لها معه. وأما القياس فإنها لو فُرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت [٢٢٣/ب] عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة. والإخوة لا يزاحمون الأولاد، لا بفرض ولا تعصيب، فإن الأولاد أولى منهم، فبطل فرض النصف، وبطل سقوطها بما ذكرناه. فتعيَّن القسم الثالث، وهو أن تكون عصَبة لها ما بقي، وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها. وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله ﷺ،
(١) ت: «الميراث»، تصحيف.
(٢) ع: «بالنص»، وكذا في النسخ المطبوعة.
فوافق قضاؤه لكتاب١ ربه وللميزان الذي أنزله مع كتابه. وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما.
فإن قيل: لكن خرجتم عن قوله ﷺ: «ألحِقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأَولى رجلٍ ذكرٍ». فإذا أعطينا البنت فرضَها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت، فإنه رجل ذكَر. فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى، فكنَّا أسعد بالنص منكم. وعملنا به وبقضاء رسول الله ﷺ٢ حيث أعطى البنت النصف، وبنت الابن٣ السدس، والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر، فكانت الأخت عصَبة. وهذا توسُّط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية. وهذا مذهب إسحاق بن راهويه، وهو اختيار أبي محمد بن حزم٤.
وسقوطُها بالكلية مذهب ابن عباس، كما قال عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلَمة: قيل لابن عباس: رجل ترَك ابنته، وأختَه [٢٢٤/أ] لأبيه وأمِّه؛ فقال: لابنته النصف٥، وليس لأخته شيء مما ترك، وهو
(١) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «كتاب» دون اللام، على الجادَّة.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٤٢) من حديث ابن مسعود.
(٣) ع: «وبنت البنت». وكذا كان في ح. مع «كذا» فوق كلمة «البنت». ثم ضرب عليها وكتب في الحاشية: «لعله الابن».
(٤) انظر: «المحلَّى» (٨/ ٢٦٨).
(٥) في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا بعد النصف: «ولأمه السدس». ولا أدري كيف أقحمت هذه الزيادة؟ ولا شك أن الذي أقحمها قرأ المسألة هكذا: «بنته، وأختَه لأبيه، وأمَّه»، فعطف كلمة الأم على الأخت. ولكن لم ترد عبارة «ولأمه السدس» في مصادر التخريج، ثم هو مخالف للسياق.