وأجمع الناس على أنها عصبة عتيقها، واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفيِّ باللعان، وسنة رسول الله ﷺ تفصل بين المتنازعين. فإذا خُصَّت منه هذه الصور [٢٢٤/ب] بالنصِّ، وبعضُها مجمَع عليه، خُصَّت منه هذه الصورة بما ذكرناه من الدلالة.
فإن قيل: قوله: «فلأولى رجل ذكر» إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه.
قيل: فأنتم تقدِّمون المعتِق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، فخالفتم النصَّين معًا. وهو ﷺ قال: «لأولى رجل ذكر»، فأكَّده بالذكورة ليبيِّن أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنه لم يُرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى، كما في قوله: «من وجد متاعه عند رجل قد أفلس»١ ونحوه مما يُذكَر فيه لفظ «الرجل»، والحكم يعُمُّ النوعين. وهو نظير قوله في حديث الصدقات: «فابنُ لبون ذكَر»٢ ليبيِّن أن المراد الذكر دون الأنثى. ولم يتعرَّض في الحديث للعاصب بغيره، فدلَّ قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت الابن٣ ما بقي أن الأخت عصبة
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٤٨) من حديث أنس عن أبي بكر ﵄.
(٣) ت، ع: «بنت البنت». وكذا كان في ح، ثم حُكَّ وكتب «الابن».
بغيرها. فلا تنافي بينه وبين قوله: «فلأولى رجل ذكر»، بل هذا١ إذا لم يكن ثَمَّ عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبةً بأنفسهم، فيكون أولاهم وأقربُهم إلى الميِّت أحقَّهم بالمال. وأما إذا اجتمع العصبتان، فقد دلَّ حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمِّه مع القطع بأنَّ٢ العرب بنو عمٍّ، بعضُهم لبعض، فقريب وبعيد؛ ولا سيما إن كان ما حكاه ابن [٢٢٥/أ] مسعود من قضاء رسول الله ﷺ قضاءً عامًّا كُلِّيًّا، فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر.
فصل
ومما يبيِّن صحة قول الجمهور: أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد. والمفهومُ إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلًا للحكم في المنطوق. فإذا كان فيه تفصيلٌ حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن يكون كلُّ صورة من صور المسكوت مخالفةً لكلِّ صور المنطوق. ومن توهَّم ذلك فقد توهَّم باطلًا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص، والحكمُ إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلُفَها علة أخرى.
وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل. وحينئذ فإذا نفَينا إرثها مع ذكور الولد، أو نفَينا إرثها النصف فرضًا٣ مع إناثهم= وفَّينا بدليل الخطاب.