بغيرها. فلا تنافي بينه وبين قوله: «فلأولى رجل ذكر»، بل هذا١ إذا لم يكن ثَمَّ عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبةً بأنفسهم، فيكون أولاهم وأقربُهم إلى الميِّت أحقَّهم بالمال. وأما إذا اجتمع العصبتان، فقد دلَّ حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمِّه مع القطع بأنَّ٢ العرب بنو عمٍّ، بعضُهم لبعض، فقريب وبعيد؛ ولا سيما إن كان ما حكاه ابن [٢٢٥/أ] مسعود من قضاء رسول الله ﷺ قضاءً عامًّا كُلِّيًّا، فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر.
فصل
ومما يبيِّن صحة قول الجمهور: أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد. والمفهومُ إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلًا للحكم في المنطوق. فإذا كان فيه تفصيلٌ حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن يكون كلُّ صورة من صور المسكوت مخالفةً لكلِّ صور المنطوق. ومن توهَّم ذلك فقد توهَّم باطلًا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص، والحكمُ إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلُفَها علة أخرى.
وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل. وحينئذ فإذا نفَينا إرثها مع ذكور الولد، أو نفَينا إرثها النصف فرضًا٣ مع إناثهم= وفَّينا بدليل الخطاب.
(١) «هذا» ساقط من ح، ف.
(٢) في النسخ المطبوعة: «القطع، فإن».
(٣) «فرضًا» ساقط من ع.
فصل
ومما يبيِّن أن المراد بقوله: «فلأولى رجل ذكر» العصبة بنفسه لا بغيره: أنه لو كان بعد الفرائض إخوة وأخوات، أو بنون وبنات، أو بنات ابن وبنو ابن= لم ينفرد الذكر بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع، فتعصيب الأخت بالبنت كتعصيبها بأخيها. فإذا لم يكن قوله: «فلأولى رجل ذكر» موجبًا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجِبًا لاختصاص ابن عم الجدِّ بالباقي دونها. يوضِّحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط، وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها.
هذا، وأخوها أقرب إلى الميت من الأعمام وبنيهم، فإذا لم يسقطها الأخ فَلَأن لا يُسقطها [٢٢٥/ب] ابن عمِّ الجدِّ بطريق الأولى والأحرى. وإذا لم يُسقطها ورثت دونه، لكونها أقرب منه، بخلاف الأخ فإنها تشاركه، لاستوائهما في القرب من الميت. فهذا محض القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي ﷺ. وعلى هذه الطريق فلا تخصيص في الحديث، بل هو على عمومه. وهذه الطريق أفقه وألطف.
يوضِّح ذلك: أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروض فيها مقدَّمون على جنس العصبة، سواء كان ذا فرض محض، أو كان له مع فرضه تعصيب في حال إما بنفسه وإما بغيره، والأخوات من جنس أهل الفرائض، فيجب تقديمهن على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة. والاستدلال بهذا الحديث على حرمانهن مع البنات كالاستدلال على حرمانهن مع إخوتهن وحرمان بنات الابن، بل البنات أنفسهن مع إخوتهن. وهذا باطل بالنص والإجماع، فكذا الآخر.