إعلام الموقعين

فإن قيل: فأي فائدة في التقييد بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ والحكم لا يختص بما فوقهما؟

قيل: حسنُ ترتيب الكلام وتأليفه ومطابقة مضمره لظاهره أوجَبَ ذلك، فإنه سبحانه قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فالضمير في: «كن» مجموع يطابق الأولاد، أي فإن كان الأولاد نساءً، فذكر لفظ «الأولاد» وهو جمع، وضمير: «كن» وهو ضمير جمع، و«نساء» وهو اسم جمع= فلم يكن بدٌّ من «فوق اثنتين».

وفيه نكتة أخرى، وهو١ أنه سبحانه قد ذكر ميراث الواحدة نصًّا وميراث الاثنين تنبيهًا كما تقدَّم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين، كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى.

وأيضًا فإن ميراث الاثنتين قد عُلِم من النص، فلو قال: «فإن كانتا اثنتين» كان تكريرًا، ولم يُعلَم منه حكمُ ما زاد عليهما، فكان ذكرُ الجمع في غاية البيان والإيجاز، وتطابق أول الكلام وآخره، وحسن تأليفه وتناسبه.

وهذا بخلاف سياق آخر السورة، فإنه قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فلم يتقدَّم اسمُ جمع ولا ضميرُ جمع يقتضي أن يقول:

  1. (١) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة. كأنه ظن أنه قال: «وفيه سرٌّ آخر». وأثبت في المطبوع: «وهي».
214

فإن كنَّ١ فوق اثنتين.

وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف، فلم يكن بدٌّ من ذكر ميراث الأختين [٢٢٧/أ] وأنه الثلثان، لئلا يُتوهَّم أن الأخرى إذا انضمَّت إليها أخذت نصفًا آخر. ودلَّ تشريكُه بين البنات وإن كثُرن في الثلثين، على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك، بطريق الأولى؛ فإن البنات أقرب من الأخوات، ويُسقِطن فرضهن. فجاء بيانه سبحانه في كلٍّ من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بيَّن ميراث الاثنتين بما تقرَّر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لمَّا بيَّن ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبيِّن ميراث ما زاد عليهما، إذ قد عُلِم بيان الزائد على الاثنتين في مَن هن أولى بالميراث من الأخوات؛ ثم بيَّن حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم. فاستوعب بيانُه جميع الأقسام.

فصل

المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل البنات الثلثين٢. ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدَّم. وبيانها أنه تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. وقد عُلِم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ يتناول مَن ينتسب إلى

  1. (١) ت: «كن نساء»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨).
215

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي