وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف، فلم يكن بدٌّ من ذكر ميراث الأختين [٢٢٧/أ] وأنه الثلثان، لئلا يُتوهَّم أن الأخرى إذا انضمَّت إليها أخذت نصفًا آخر. ودلَّ تشريكُه بين البنات وإن كثُرن في الثلثين، على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك، بطريق الأولى؛ فإن البنات أقرب من الأخوات، ويُسقِطن فرضهن. فجاء بيانه سبحانه في كلٍّ من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بيَّن ميراث الاثنتين بما تقرَّر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لمَّا بيَّن ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبيِّن ميراث ما زاد عليهما، إذ قد عُلِم بيان الزائد على الاثنتين في مَن هن أولى بالميراث من الأخوات؛ ثم بيَّن حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم. فاستوعب بيانُه جميع الأقسام.
فصل
المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل البنات الثلثين٢. ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدَّم. وبيانها أنه تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. وقد عُلِم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ يتناول مَن ينتسب إلى
(١) ت: «كن نساء»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨).
الميِّت، وهم ولده وولد بنيه؛ وأنه يتناولهم على الترتيب، فيدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب. فإذا لم يكن إلا بنت فلها النصف، وبقي من نصيب البنات السدس. فإذا كان ابن ابن أخذ الباقي كلَّه بالتعصيب للنص. فإن كان معه أخواته شاركنه في الاستحقاق؛ لأنهن معه عصبة. وهذا أحد ما يدل على أن قوله: «فلأولى رجل ذكر» لا يمنع أن تأخذ الأنثى إذا كانت [٢٢٧/ب] عصبةً١ بغيرها. ولهذا أخذت الأخت مع البنت الباقي بالتعصيب؛ لأنها عصبة بها. وإن لم يكن مع البنت إلا بنات ابن، فقد كنَّ بصدد أخذ الثلثين لولا البنت، فإذا أخذت النصف، فالسدسُ الباقي لا مانع لهن من أخذه، فيفُزْن به. ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن شيء، ولو لم يكن بنات أخذن جميع الثلثين. فإذا قُدِّمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كن يفزن بهما جميعًا لولا البنت. وهكذا٢ حكَم النبيُّ ﷺ سواء.
فإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن، والنبيُّ ﷺ جعل الباقي لأولى رجل ذكر؟ قيل: قد تقدَّم بيان ذلك مستوفًى، وأن هذا حكم كلِّ عصبة معه وارث من جنسه في درجته، كالأولاد والإخوة، بخلاف الأعمام وبني الإخوة.
فإن قيل: فكيف عصَّب ابنُ ابن الابن مَن فوقه، وليس في درجته؟
قيل: إذا كان يعصِّب من هو في درجته مع أنه أنزَلُ ممن فوقه ولا يُسقِطه، فتعصيبه لمن هو فوقه وأقربُ منه إلى الميِّت بطريق الأولى. فإذا
(١) أثبت في المطبوع هنا وفيما يتلو: «عصبية» خلافًا للنسخ الخطية والمطبوعة!