كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه، فكيف يقوى على إسقاط الأعلى؟ على أن عبد الله بن مسعود لا يعصِّب به مَن في درجته ولا مَن فوقه، بل يخصُّه بالباقي١. ووجه قوله أنها لا ترث مفردةً، فلا ترث مع أخيها، كالمحجوبة برِقٍّ أو كفر، بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها، فإنه يعصِّبها اتفاقًا، لأنها وارثة.
وقول الجمهور أصح، فإنها وارثة في الجملة، وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها. وهنا إنما سقط ميراثها [٢٢٨/أ] بالفرض لاستكمال مَن فوقها الثلثين. ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطُه بالتعصيب مع قيام موجبِه، وهو وجود الأخ. وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبةً، فيمنعها الميراث بالكلِّيَّة، ولولاه ورثت بالفرض، وهو الأخ المشؤوم= فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبةً، فيورثها إذا لم ترِث بالفرض، وهو الأخ النافع. فهذا محض القياس والميزان، وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.
والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين، كبنت الابن مع البنت والبنات سواء. وبالله التوفيق.
فصل
المسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة٢. والقرآن يدل على قول الصدِّيق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة
(١) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠١٢)، و«السنن» لسعيد بن منصور (١٩)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣١٧٢٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٣٠).
(٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
عشر منهم. ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦]، فلم يجعل للإخوة ميراثًا إلا في الكلالة.
وقد اختلف الناس في الكلالة، والكتاب يدل على قول الصديق: إنها ما عدا الوالد والولد. فإنه سبحانه قال في ميراث ولد الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾[النساء: ١٢] فسوَّى بين ميراث الإخوة في الكلالة، وإن فرَّق بينهم في جهة الإرث ومقداره. فإذا كان [٢٢٨/ب] وجودُ الجدِّ مع الإخوة للأم لا يُدخلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة، ولم يمنعهم وجودُه صدقَ اسمها؟ وهل هذا إلا تفريق محض بين ما جمع الله بينه؟
يوضِّحه الوجه الثاني: وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويُخرج المسألة عن كونها كلالة، لدخوله في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾[النساء: ١٧٦] ونسبةُ أبي الأب١ إلى الميت كنسبة ولد ولده إليه. فكما أن الولد وإن نزل يُخرج المسألة عن الكلالة، فكذلك أبو الأب٢ وإن علا، ولا فرق بينهما البتة.
(١) ما عدا ع: «أب الأب»، وهو شائع أيضًا في كتب الفقه.