يوضِّحه الوجه الرابع عشر١: أن المورِّثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولًا يدل عليه نصٌّ ولا إجماع ولا قياس، مع تناقضهم.
وأما المقدِّمون له على الإخوة، فهم أسعدُ٢ بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض. فإن من المورِّثين من يزاحم به إلى الثلث، ومنهم من يزاحم به إلى السدس، وليس في الشريعة من يكون عصبةً يقاسم عصبة نظيره إلى حَدٍّ، ثم يُفرَض له بعد ذلك الحدِّ. فلم يجعلوه معهم عصبةً مطلقًا، ولا ذا فرض مطلقًا، ولا قدَّموه عليهم مطلقًا، ولا ساوَوه بهم مطلقًا. ثم فرضوا له سدسًا أو ثلثًا بغير نصٍّ ولا إجماع ولا قياس، ثم حسبوا عليه الإخوة من الأب، ولم يعطوهم شيئًا إذا كان هناك إخوة لأبوين. ثم جعلوا الأخوات معه عصبة إلا في صورة واحدة فرضوا فيها للأخت. ثم لم يهنَؤوها٣ بما فرضوا لها، بل عادوا عليها بالإبطال، فأخذوه وأخذوا ما أصابه، فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. ثم أعالوا هذه المسألة خاصَّةً من مسائل الجد والإخوة، ولم يعيلوا غيرها، ثم ردُّوها بعد العَول إلى التعصيب.
وسَلِم المقدِّمون له على الإخوة من هذا كلِّه، مع فوزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصدِّيق.
يوضِّحه الوجه الخامس عشر: أن الصدِّيق لم يختلف عليه أحد من الصحابة في عهده [٢٣١/ب] أنه مقدَّم على الإخوة. قال البخاري في
(١) هنا وبعد «الخامس عشر» زيد في النسخ المطبوعة: «وهو».
(٢) في النسخ المطبوعة: «أسعد الناس»، فزيدت كلمة «الناس».
(٣) يعني: لم يدَعُوها تفرح بذلك.
«صحيحه» في باب ميراث الجد مع الإخوة: وقال أبو بكر١ وابن عباس٢ وابن الزبير: الجدُّ أبٌ. وقرأ ابن عباس: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾[يوسف: ٣٨]٣. ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون. وقال ابن عباس: يرثني ابنُ ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابنَ ابني؟٤. ويُذكَر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد٥ أقاويل مختلفة٦، انتهى.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة٧ يحدِّث أن ابن الزبير كتب إلى أهل العراق إن الذي قال له النبي ﷺ: «لو كنتُ متخذًا خليلًا حتى ألقى الله سوى الله لاتخذتُ أبا بكر خليلًا» كان
(١) رواه البخاري (٣٦٥٨، ٦٧٣٨). ويُنظر: «السنن» لسعيد بن منصور في السنن (٤٠ - ٤٨).
(٢) رواه عبد الرزاق (١٩٠٥٣ - ١٩٠٥٦)، وسعيد بن منصور (٤٦، ٤٩ - ٥٢)، وأحمد (٣٣٨٥). ويُنظر: «الجامع الصحيح» للبخاري (٦٧٣٨).
(٣) رواه عبد الرزاق (١٩٠٥٣)، وسعيد بن منصور (٤٩).
(٤) يُنظر: «السنن» لسعيد بن منصور (٤٩).
(٥) في النسخ المطبوعة: «زيد بن ثابت».
(٦) يُنظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٢١٨ - ٢٢٢).
(٧) في المطبوع من «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠٤٩) عن ابن جريج قال: سمعتُ من أبي يُحَدِّثُ أن ابن الزبير ... وأراه خطأ من الناسخ؛ فليُنظَر: «المسند» لأحمد (١٦١١٢)، و«المعجم الكبير» للطبراني (١٤٨٥٦)، و«المحلى» لابن حزم (٩/ ٢٨٧). ورواه البخاري (٣٦٥٨) من طريق أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة بنحوه.