واضطربت في كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول الصدِّيق ومن معه.
يوضِّحه الوجه السادس عشر١: أن [٢٣٢/ب] الناس اليوم قائلان: قائل بقول أبي بكر، وقائل بقول زيد؛ ولكن قول الصدِّيق هو الصواب. وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن تعصيب الجدِّ للأخوات، وهو تعصيبُ الرجل جنسًا آخر ليسوا من جنسه، وهذا لا أصل له في الشريعة. إنما يُعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد، كالبنين والبنات، والإخوة والأخوات. ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات، فإن الرجال لم يعصِّبوهن، وإنما عصَّبهن البنات، ولما كان تعصيب البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات؛ بخلاف قول من عصَّب الأخوات بالجد، فإنه عصَّبهن بجنس آخر أقوى تعصيبًا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة البتة.
يوضِّحه الوجه السابع عشر: أن الجدَّ والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل.
أما الأول فظاهر البطلان لوجهين. أحدهما: اختلاف جهة التعصيب. والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا. هذا٢ هو التعصيب المعقول في الشريعة.
(١) زيد في النسخ المطبوعة: «وهو» هنا وفي الوجوه الآتية إلى الوجه التاسع عشر، وقد سبق مثله.
(٢) ع: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
وأما الثاني فبطلانه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط. بل هذا محال، فإن العصبة حكمُه أن يأخذ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان [٢٣٣/أ] هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر، فيفضي أخذهما١ إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس. وهذا ظاهر جدًّا.
يوضِّحه الوجه الثامن عشر: أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنع من دفع الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعفافه٢ على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنه تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محلِّ النزاع. فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجدِّ والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمرُ في أبوته في محلِّ النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا بابَ الميراث فالأمر أظهر وأظهر.
يوضِّحه الوجه التاسع عشر: أن الذين ورَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبه لتعصيبهم، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء، وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم. ثم نقضوا ذلك أيضًا، فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم
(١) ما عدا ح: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «إعتاقه». وكلمة «وجوب» ساقطة من ت.