وأما الثاني فبطلانه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط. بل هذا محال، فإن العصبة حكمُه أن يأخذ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان [٢٣٣/أ] هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر، فيفضي أخذهما١ إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس. وهذا ظاهر جدًّا.
يوضِّحه الوجه الثامن عشر: أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنع من دفع الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعفافه٢ على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنه تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محلِّ النزاع. فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجدِّ والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمرُ في أبوته في محلِّ النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا بابَ الميراث فالأمر أظهر وأظهر.
يوضِّحه الوجه التاسع عشر: أن الذين ورَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبه لتعصيبهم، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء، وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم. ثم نقضوا ذلك أيضًا، فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم
(١) ما عدا ح: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «إعتاقه». وكلمة «وجوب» ساقطة من ت.
بتعصيبه. وهذا غاية التناقض، والخروج عن القياس لا لنصٍّ١ ولا إجماع.
يوضِّحه الوجه العشرون: [٢٣٣/ب] وهو قول النبي ﷺ: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَولى رجل ذكر»٢. فإذا خلَّفت المرأة زوجَها وأمَّها وجدَّها وأخاها٣، فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحقُّ بالباقي. وإن كانا سواء في الأولوية وجب اشتراكهما فيه. وإن كان الجدُّ أولى ــ وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه ــ فهو أولى به. وإذا كان الجدُّ أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص. وهذا الوجه وحده كافٍ، وبالله التوفيق.
وليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه، وأن القياس شاهد وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: «كلُّ مسكِر خمر» عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم، كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾[المائدة: ٣٨] عن إثبات قطع النبَّاش بالقياس اسمًا أو حكمًا، إذ السارق يعُمُّ في لغة العرب وعرف الشارع سارقَ ثياب الأحياء والأموات.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾[التحريم: ٢] في تناوله لكلِّ يمين منعقدة يحلف بها المسلمون، من غير تخصيص إلا