فيه من الظلم، وعن الميسِر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكلُ المال بالباطل. وما نهى عنه النبيُّ ﷺ من المعاملات ــ كبيع الغَرر١، وبيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه٢، وبيع السنين٣، وبيع حَبَل الحَبَلة٤، وبيع المزابنة والمحاقلة٥، وبيع الحصاة٦، وبيع الملاقيح والمضامين٧،
ونحو ذلك ــ هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر.
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٨٦) ومسلم (١٥٣٤) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه مسلم (١٥٣٦) من حديث جابر بن عبد الله.
(٤) أخرجه البخاري (٢١٤٣) ومسلم (١٥١٤) من حديث ابن عمر.
(٥) أخرجه البخاري (٢١٨٦) ومسلم (١٥٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٦) أخرجه مسلم (١٥١٣) من حديث أبي هريرة.
(٧) رواه مالك (٢٤١١) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ورواه عبد الرزاق (١٤١٣٧) عن معمر، عن الزهري به. وزلّ صالح بن أبي الأخضر، فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا! رواه إسحاق بن راهويه في «المسند» ــ وعنه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (٢١٠)، ومن طريقه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٤)، وابن أبي عاصم في كتاب «البيوع»، والبزار في «المسند» (٧٧٨٥) من طريق صالح به، وأعلّه به. وهذا منكر جدّا. ورواه البزار (٤٨٢٨)، والطبراني (١١٥٨١) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، ولم يكن بالقوي، ثم إن رواية داودَ بن الحصين عن عكرمة منكرة. ويُنظر: «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (٢٠٦)، و«الكامل» لابن عدي (٦/ ٤٣٤)، و«العلل» للدارقطني (٩/ ١٨٣)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥) .. وما في «المصنف» لعبد الرزاق (١٤١٣٨) غريبٌ جدّا، لا يُدْرَى وَجْهُه، ويُوَازَنُ بـ «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (٢١٤ - ٢١٦).
فالإجارة بالأجرة المجهولة، مثل أن يكريه الدارَ بما يكسبه المكتري في حانوته١ من المال هو من الميسر.
وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي من أقوَم العدل. وهو مما يبيِّن لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من ربِّ الأرض. ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه [٢٣٧/ب] وسلم يزارعون على هذا الوجه. وكذلك عامَل النبيُّ ﷺ أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع٢ على أن يعملوها من أموالهم. والذين اشترطوا أن يكون البذر من ربِّ الأرض قاسوا ذلك على المضاربة، فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس ــ مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة.
وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب كما يذهب نفع الأرض، فإلحاقُه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي. فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عملُه وبذرُه، وربُّ الأرض يذهب نفعُ أرضه، وبدنُ هذا كأرض هذا. فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، فكيف ولو اشترط ربُّ البذر عود نظيره لم يجوِّزوا ذلك؟
(١) كذا في النسخ و«مجموع الفتاوى». وفي المطبوع: «من حانوته».
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٢٨) ومسلم (١٥٥١) من حديث ابن عمر.