والثالث كذلك، وهلم جرًّا، والنَّجِس لا يزيل نجاسةً. وهذا غلط، فإنه يقال: لمَ١ قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً نجُسَ؟ فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: الماءُ٢ لا ينجُس إلا بالتغير.
فإن قيل: فيقاس ما لم يتغيَّر على ما تغيَّر.
قيل: هذا من أبطل القياس حسًّا وشرعًا. وليس جعلُ الإزالة مخالفةً للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفًا للقياس. بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً لا ينجُس، كما أنه إذا لاقاها حالَ الإزالة لا ينجُس. فهذا القياس أصح من ذلك القياس، لأن النجاسة تزول بالماء حسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع٣. وأما تنجيس الماء بالملاقاة فموردُ نزاع، فكيف يُجعل موردُ النزاع حجةً على مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي ردَّ موارد النزاع إلى مواقع الإجماع.
وأيضًا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيِّره النجاسة لا ينجُس، فإنه باقٍ على أصل خلقته. وهو طيِّب، فيدخل في قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾[الأعراف: ١٥٧]. وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة، فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح.
(١) في النسخ المطبوعة: «فلم».
(٢) في النسخ المطبوعة: «إن الماء».
(٣) «بالنص والإجماع» زيد فوق السطر في ح، وهو في متن ف. وفي «مجموع الفتاوى»: «لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع».
وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل، أو القياس يقتضي أنه لا ينجُس إذا لم يتغيَّر؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز. وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا، ومنهم من يختار هذا.
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص١ والمعقول، فإن الله سبحانه أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، والطيِّب والخبيث يثبت للمحلِّ٢ باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلَفتها الصفةُ الأخرى زال الحكم وخلَفه ضدُّه. فهذا هو محض القياس والمعقول. فهذا الماء والطعام كان طيِّبًا لقيام الصفة الموجبة لطيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخلَفها٣ صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه. وهذا كالعصير الطيب إذا تخمَّر صار خبيثًا، فإذا عاد خلًّا٤ عاد طيِّبًا. والماء الكثير إذا تغيَّر بالنجاسة صار خبيثًا، فإذا زال التغير عاد طيِّبًا. والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا، فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيِّبًا.
والدليل على أنه طيِّب [٢٤٠/ب]: الحسُّ والشرع. أما الحِسُّ فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجهٍ ما، لا في لون ولا طعم ولا رائحة، ومحالٌ صدقُ المشتقِّ بدون المشتق منه. وأما الشرع فمن وجوه:
(١) ت: «النصوص والأصول».
(٢) في حاشية ح أن في نسخة: «للشيء».
(٣) في النسخ المطبوعة: «وخلفتها».
(٤) في النسخ المطبوعة: «عاد إلى ما كان عليه» في موضع «عاد خَلًّا»، وأُراه إصلاحًا من بعض الناشرين.