وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل، أو القياس يقتضي أنه لا ينجُس إذا لم يتغيَّر؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز. وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا، ومنهم من يختار هذا.
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص١ والمعقول، فإن الله سبحانه أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، والطيِّب والخبيث يثبت للمحلِّ٢ باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلَفتها الصفةُ الأخرى زال الحكم وخلَفه ضدُّه. فهذا هو محض القياس والمعقول. فهذا الماء والطعام كان طيِّبًا لقيام الصفة الموجبة لطيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخلَفها٣ صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه. وهذا كالعصير الطيب إذا تخمَّر صار خبيثًا، فإذا عاد خلًّا٤ عاد طيِّبًا. والماء الكثير إذا تغيَّر بالنجاسة صار خبيثًا، فإذا زال التغير عاد طيِّبًا. والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا، فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيِّبًا.
والدليل على أنه طيِّب [٢٤٠/ب]: الحسُّ والشرع. أما الحِسُّ فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجهٍ ما، لا في لون ولا طعم ولا رائحة، ومحالٌ صدقُ المشتقِّ بدون المشتق منه. وأما الشرع فمن وجوه:
(١) ت: «النصوص والأصول».
(٢) في حاشية ح أن في نسخة: «للشيء».
(٣) في النسخ المطبوعة: «وخلفتها».
(٤) في النسخ المطبوعة: «عاد إلى ما كان عليه» في موضع «عاد خَلًّا»، وأُراه إصلاحًا من بعض الناشرين.
أحدها أنه كان طيِّبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه. وهذا يتضمَّن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا وطبخًا وعجنًا١، وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع.
الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرةٌ من خمر مثل رأس الذبابة لم يُحَدَّ اتفاقًا. ولو شربه صبيٌّ وقد قطرت فيه قطرةٌ من لبن لم تنشر٢ الحرمة، فلا وجه للحكم بنجاسته، لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس.
والذين قالوا: إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة، تناقضوا أظهر تناقض. ولم يمكنهم طردُ هذا الأصل، فمنهم من استثنى مقدار القلَّتين على خلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحُه. ومنهم من استثنى ما إذا حُرِّك أحدُ طرفيه لم يتحرَّك الآخر٣، ومنهم من استثنى الجاري خاصَّةً. وفرَّقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة، وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق. منها: أنه وارد على النجاسة فهو فاعل، وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف. ومنها: أنه إذا كان واردًا فهو جارٍ والجاري له قوة. ومنها [٢٤١/ب] أنه إذا كان واردًا فهو في محلّ التطهير، وما دام في محلِّ التطهير فله عمل وقوة.