إعلام الموقعين

أحدها أنه كان طيِّبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه. وهذا يتضمَّن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا وطبخًا وعجنًا١، وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع.

الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرةٌ من خمر مثل رأس الذبابة لم يُحَدَّ اتفاقًا. ولو شربه صبيٌّ وقد قطرت فيه قطرةٌ من لبن لم تنشر٢ الحرمة، فلا وجه للحكم بنجاسته، لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس.

والذين قالوا: إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة، تناقضوا أظهر تناقض. ولم يمكنهم طردُ هذا الأصل، فمنهم من استثنى مقدار القلَّتين على خلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحُه. ومنهم من استثنى ما إذا حُرِّك أحدُ طرفيه لم يتحرَّك الآخر٣، ومنهم من استثنى الجاري خاصَّةً. وفرَّقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة، وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق. منها: أنه وارد على النجاسة فهو فاعل، وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف. ومنها: أنه إذا كان واردًا فهو جارٍ والجاري له قوة. ومنها [٢٤١/ب] أنه إذا كان واردًا فهو في محلّ التطهير، وما دام في محلِّ التطهير فله عمل وقوة.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «أو طبخًا أو عجنًا».
  2. (٢) ف: «لم تنتشر».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «الطرف الآخر».
249

والصواب أن مقتضى القياس١ أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وأنه إذا تغيَّر في محلِّ التطهير فهو نجس أيضًا، وهو في حال تغيُّره لم يُزِلها، وإنما خفَّفها. ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغيِّر. وهذا هو القياس في المائعات كلِّها: أنَّ يسير النجاسة إذا استحالت في الماء، فلم يظهر لها فيها٢ لون ولا طعم ولا رائحة، فهي من الطيبات لا من الخبائث.

وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «الماء لا ينجُس»٣.

وصحَّ عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنُب»٤.

وهما نصَّان صريحان في أن الماء لا ينجُس بالملاقاة، ولا يسلُبه طهوريتَه استعمالُه في إزالة الحدث. ومن نجَّسه بالملاقاة أو سلبَ طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجُس ويجنُب. والنبيُّ ﷺ ثبت عنه في «صحيح

  1. (١) «أن مقتضى القياس» زيد في ح فوق السطر، وهو في متن ف، و«مجموع الفتاوى».
  2. (٢) يعني: في المائعات. وفي النسخ المطبوعة: «ولم يظهر لها فيه».
  3. (٣) رواه أحمد (١١١١٩)، أبو داود (٦٦، ٦٧)، والترمذي (٦٦) ــ وحسنه ــ، والنسائي (٣٢٦، ٣٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. ويُنظر: «العلل» للدارقطني (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٩)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٨ - ٣٢)، و«البدر المنير» لابن النحوي (١/ ٣٨١ - ٣٨٨). وله شاهد سيأتي عَقِبَ هذا.
  4. (٤) رواه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٣٧٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن حبان (٢٢٦٦، ٣٩٤٧). وأعلّه الإمام أحمد بالإرسال. ويُنظر: «المجتبى» للنسائي (٣٢٥)، و«المختصر» لابن خزيمة (٩١)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٢٦٠)، و«المستدرك» للحاكم (١/ ١٥٩)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١٢/ ١١ - ١٦)، و«فتح الباري» لابن رجب (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
250

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي