والصواب أن مقتضى القياس١ أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وأنه إذا تغيَّر في محلِّ التطهير فهو نجس أيضًا، وهو في حال تغيُّره لم يُزِلها، وإنما خفَّفها. ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغيِّر. وهذا هو القياس في المائعات كلِّها: أنَّ يسير النجاسة إذا استحالت في الماء، فلم يظهر لها فيها٢ لون ولا طعم ولا رائحة، فهي من الطيبات لا من الخبائث.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «الماء لا ينجُس»٣.
وصحَّ عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنُب»٤.
وهما نصَّان صريحان في أن الماء لا ينجُس بالملاقاة، ولا يسلُبه طهوريتَه استعمالُه في إزالة الحدث. ومن نجَّسه بالملاقاة أو سلبَ طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجُس ويجنُب. والنبيُّ ﷺ ثبت عنه في «صحيح
(١) «أن مقتضى القياس» زيد في ح فوق السطر، وهو في متن ف، و«مجموع الفتاوى».
(٢) يعني: في المائعات. وفي النسخ المطبوعة: «ولم يظهر لها فيه».
(٣) رواه أحمد (١١١١٩)، أبو داود (٦٦، ٦٧)، والترمذي (٦٦) ــ وحسنه ــ، والنسائي (٣٢٦، ٣٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. ويُنظر: «العلل» للدارقطني (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٩)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٨ - ٣٢)، و«البدر المنير» لابن النحوي (١/ ٣٨١ - ٣٨٨). وله شاهد سيأتي عَقِبَ هذا.
(٤) رواه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٣٧٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن حبان (٢٢٦٦، ٣٩٤٧). وأعلّه الإمام أحمد بالإرسال. ويُنظر: «المجتبى» للنسائي (٣٢٥)، و«المختصر» لابن خزيمة (٩١)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٢٦٠)، و«المستدرك» للحاكم (١/ ١٥٩)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١٢/ ١١ - ١٦)، و«فتح الباري» لابن رجب (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
البخاري»١ أنه سئل عن فأرة وقعت في سَمْنٍ، فقال: «ألقُوها وما حولها، وكلوه»، ولم يفصل بين أن يكون جامدًا أو مائعًا قليلًا أو كثيرًا. فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه.
وحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث معلول٢. وهو غلط من معمر من عدّة وجوه بيَّنها البخاري في «صحيحه» والترمذي في «جامعه» وغيرهما. ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناس كلُّهم خلافَ ما رواه٣ عنه معمر، وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تُلقَى وما حولها، ويؤكل الباقي في [٢٤١/ب] الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدلَّ بالحديث. فهذه فتياه، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه. فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه. وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبَه طردُه كما تقدَّم. فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النصَّ لا فيما جاء به النصُّ.
(١) برقم (٥٥٣٨) من حديث ميمونة زوج النبي ﷺ.
(٢) رواه أحمد (٧١٧٧)، وأبو داود (٣٨٤٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وهو حديثٌ غيرُ محفوظٍ، قد أعلّه الإمام البخاري، وأبو حاتم، والترمذي، وغيرُهم. أما ابن حبان فصححه (٤٣٧٤، ٤٣٧٥، ٤٣٧٦). ويُنظر: «المسند» للحميدي (٣١٤)، و«الجامع الصحيح» للبخاري (٥٥٣٨ - ٥٥٤٠)، و«الجامع» للترمذي عَقِبَ الحديث (١٧٩٨)، و«المجتبى» للنسائي (٤٢٦٠)، و«السنن الكبرى» له (٤٥٧٢)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٥٠٧)، و«العلل» للدارقطني (٧/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، و«الإمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٨٢ - ٨٣).