إعلام الموقعين

وكلاهما منتفٍ. وقد يكون الوضوء من مسِّ الذكر ومسِّ النساء من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس.

ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول، ولما كانت في ممسوس النار عارضة صحَّ فيها الأمر والترك. ويدل على هذا أنه فرَّق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء، وفرَّق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة. فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وأذِن في الصلاة في مرابض الغنم. وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم عُلِم أنه ليس ذلك لكونها مما مسَّته النار. ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة، لأن الشيطان هناك عارض. وطردُ هذا المنع من الصلاة في الحمام، لأنه بيت الشيطان.

وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان. والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل. فإذا عُقِل المعنى لم يكن بدٌّ من تعديته، ما لم يمنع منه مانع. والله أعلم.

فصل

وأما١ الفطر بالحجامة، فإنما اعتقد من قال: «إنه على خلاف القياس» ذلك بناءً على أن القياس: الفِطرُ بما دخل، لا بما خرج. وليس كما ظنوه، بل

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «أما» بحذف الواو.
256

الفطر بها محض القياس. وهذا إنما يتبيَّن [٢٤٣/ب] بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل، وأمر فيه بغاية الاعتدال؛ حتى نهى عن الوصال، وأمر بتعجيل الفطر، وتأخير السحور١،

وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود٢. فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يُدخِل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب، ولا يُخرِج ما به قوامه كالقيء والاستمناء. وفرَّق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وما لا يمكن، فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع، كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل. وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة، لطول زمنه٣، وكثرة خروج الدم، وعدم التمكُّن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة. وفرَّق بين دم الحجامة ودم الجرح، فجعل الحجامةَ من جنس القيء والاستمناء والحيض، وخروجَ الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع

  1. (١) رواه أبو يعلى في «المسند الكبير» [كما في «المطالب العالية» لابن حجر (١٠٢٤)] من حديث عائشة مرفوعا. وهو منكر جدًّا، تفرّد به طيب بن سليمان (الضعيف) عن (عَمْرةَ) دُونَ الحفاظ الأكابر من الآخذين عنها.
    وروى ابن أبي خيثمة في «التاريخ» (٣٥٠٤ - السِّفر الثاني)، والطبراني (٢٥/ ١٦٣) من حديث أم حكيم بنت وداع مرفوعا: «عَجِّلُوا الإفطار، وأخِّرُوا السحور». وفي سندِه ثلاثُ نسوةٍ مجهولاتٌ على نَسَقٍ. ورواه ابن عدي (٨/ ٢٧) من حديث أنس مرفوعا بنحوه، وفي سنده مبارك بن سُحيم، وهو متروك. وروى أحمد (٢١٣١٢، ٢١٥٠٧) من حديث أبي ذر مرفوعا: «لا تزال أمّتي بخير؛ ما عجّلوا الإفطار، وأخّروا السحور». وفي سنده ضعفٌ وجهالة.
  2. (٢) أخرجه البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو.
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «زمانه».
257

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي