إعلام الموقعين

على وفق القياس. وقياس السَّلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرر، من أفسد القياس صورة ومعنى. وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له، وبين السَّلَم إليه في مُغَلٍّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمعُ بينهما كالجمع بين الميتة والذكي١، والربا والبيع.

وأما قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبِع ما ليس عندك» فيحتمل معنيين٢. أحدهما: أن يبيع عينًا معيَّنةً وهي ليست عنده، بل ملك للغير، فيبيعها، ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة٣ [٢٤٥/أ] فليس عنده حسًّا ولا معنًى، فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل له أم لا؟ وهذا يتناول أمورًا:

أحدها: بيعُ عين معينة ليست عنده.

الثاني: السلَم الحالُّ في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.

الثالث: السلَم المؤجَّل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادةً. فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل. فأيُّ فرق بين كون أحد العوضين مؤجلًا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محض

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «والمذكى»، خلافًا للنسخ الخطية، وقد سبق قريبًا.
  2. (٢) ع: «فيحمل على معنيين»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) زاد بعضهم في حاشية ح هنا: «وهذا أشبه». وهذه الجملة قد وردت في «مجموع الفتاوى».
261

القياس والمصلحة. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهذا يعُمُّ الثمن والمثمَّن، وهذا هو الذي فهمه ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس، فقال: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله، وقرأ هذه الآية١.

فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة، وشُرِع على أكمل الوجوه وأعدلها، فشُرِط فيه قبض الثمن في الحال، إذ لو تأخَّر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة، ولهذا سُمِّي سلمًا لتسليم الثمن. فإذا أخّر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه، وكثرت المخاطرة، ودخلت المعاملة في حدِّ الغرر. ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلَّف، فيمتنع التسليم.

والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيَّقوا ما وسَّعه٢ الله، وشرطوا ما لم يشرُطه، وخرجوا عن موجَب القياس والمصلحة. أما القياس فإنه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن. وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيلَ [٢٤٥/ب] مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلمَ

  1. (١) رواه الشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٢ - ١٨٣)، وعبد الرزاق (١٤٠٦٤)، وابن أبي شيبة (٢٢٧٥٨)، وابن جرير في «جامع البيان» (٥/ ٧١)، وابن المنذر في «التفسير» (٦٦، ٦٧)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٢٩٤٨)، والطبراني (١٢٩٠٣)، والحاكم (٢/ ٢٨٦) ــ وصححه ــ، والبيهقي (٦/ ١٨، ١٩)، وفي «السنن الصغير» (٢٠٠٠)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٠٢)، وسندُه جيِّدٌ.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «وسَّع».
262

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي