إعلام الموقعين

أثره عليه. وهو محض العدل، وموجَب القياس، فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم حاكم. ومعلوم أن الإعسار عيب في الذمة لو علِم به البائع لم يرضَ بكون ماله في ذمة مفلس. فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد. وبالله التوفيق.

وطردُ هذا القياس عجزُ الزوج عن الصداق، وعجزُه عن الوطء، وعجزُه عن النفقة والكسوة. وطردُه عجزُ المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة. وهذا هو الصواب بلا ريب، فإنه لم يخرج البُضْعُ عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض. وطردُه الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه، فله العود إلى طلب القصاص. فهذا موجَب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها. وبالله التوفيق.

فصل

وأما الإجارة، فالذين قالوا: هي على خلاف القياس، قالوا: هي بيع معدوم، لأن المنافع معدومة حين العقد. ثم لما رأوا الكتاب قد دلَّ على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قالوا: إنها على خلاف القياس من وجهين. أحدهما: كونها إجارة. والثاني: أن الإجارة عقد على المنافع، وهذه عقد على الأعيان. ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه، وقالوا: هي١ خلاف القياس. والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف قياس ذلك [٢٤٦/ب] النص.

  1. (١) ت: «هي على»، وكذا في النسخ المطبوعة.
264

وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة. ومنشأ وهمهم ظنُّهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها. ثم افترق هؤلاء فرقتين:

فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس لورود النص، فلا نتعدَّى محلَّه.

وقالت فرقة: بل نخرجها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه أمرًا غير اللبن، بل هو إلقامُ الصبيِّ الثديَ، ووضعُه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعًا غيرَ مقصود بالعقد. ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل ضمنًا وتبعًا. فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرَّد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه، وعلى مجرَّد إجراء العين في أرضه؛ مما هو قلبُ الحقائق، وجعلُ المقصود وسيلةً، والوسيلةِ مقصودةً؛ إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودًا عليها. ولا قيمة لها أصلًا، وإنما هي كفتح الباب وكقَود الدابة١ لمن اكترى دارًا أو دابةً.

ونحن نتكلَّم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول [٢٤٧/أ] وبالله التوفيق.

  1. (١) في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٣٢): «كصعود الدابة»، ولعله تحريف.
265

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي