أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك. وقد نصَّ أحمد على [٢٤٧/ب] أنه إذا قال: «أعتقتُ أمتي وجعلتُ عتقها صداقها» أنه ينعقد النكاح. قال ابن عقيل: وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ. وأما ابن حامد فطرَد أصلَه، وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: «تزوجتها». وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوَّز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج. وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا، فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل، ولا يرى اختصاصها بالصيغ.
ومن أصوله: أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما. والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية، فلا يثبت حكمها إلا بالنية، وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه؛ إذ الشهادة إنما تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات. وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين، والمقدمتان غير معلومتين. أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح، فقال: «ملَّكتُكها بما معك من القرآن»١. وأعتق صفية، وجعل عتقها صَداقها٢، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج. وأباح الله ورسوله النكاح وردَّ فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحًا بأيِّ لفظ كان، ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟
(١) أخرجه البخاري (٥٠٣٠) ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٠٠) ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس بن مالك.
وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كنايةً أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب [٢٤٨/أ] والزمان والمكان. فكم من لفظ صريحٌ عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان. فلا يلزم من كونه صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كلِّ متكلِّم، وهذا ظاهر.
والمقصود: أن قوله: «الإجارةُ١ نوعٌ من البيع» إن أراد به البيع الخاصَّ فباطل، وإن أراد به البيع العامَّ فصحيح. ولكن قوله: «إن هذا البيع لا يرد على معدوم» دعوى باطلة، فإن الشارع جوَّز المعاوضة العامَّة على المعدوم. فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد، فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان. وقد فرَّق بينها الحسُّ والشرعُ، فإن النبي ﷺ أمر أن يؤخَّر العقد على الأعيان التي لم تُخلق إلى أن تخلق، كما نهى عن بيع السنين، وحَبَل الحَبَلة، والثمر قبل أن يبدو صلاحه٢، والحبِّ حتى يشتدَّ٣، ونهى عن الملاقيح والمضامين٤، ونحو ذلك. وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها.
(١) في النسخ المطبوعة: «إن الإجارة» بزيادة «إن».
(٢) سبق تخريج كلِّ ذلك.
(٣) رواه أحمد (١٣٣١٤، ١٣٦١٣)، وأبو داود (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨) ــ وقال: «حسنٌ غريبٌ» ــ، وابن ماجه (٢٢١٧) من حديث أنس ﵁ مرفوعا. وصححه ابن حبان (١٨٨٩)، والحاكم (٢/ ١٩)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٦/ ٥٣٠، ٥٨١). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٥/ ٣٠٥ - ٣٠٧). ويُنظر: «السنن الكبير» للبيهقي (٥/ ٣٠٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٤/ ٣٢٨).