فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه، فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد، وجوَّز منه بيعَ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه. وبدون الحاجة لم يجوِّزه. والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع، فهذا جوَّز العقد عليه ولم يمنع منه.
فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة مجرَّدَ كونه معدومًا.
قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: «إنّ العلَّة مجرَّدُ كونه معدومًا» دعوى [٢٤٨/ب] بغير دليل، بل دعوى باطلة. فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص، وأنت لم تبيِّن أن العلة في الأصل مجرَّد كونه معدومًا؛ فقياسك فاسد. وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبيِّن بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علة مطردة، وما ذكرته علة منتقضة. فإنك إذا علَّلت بمجرَّد العدم ورد عليك النقض بالمنافع كلِّها وبكثير من الأعيان، وما علَّلنا به لا ينتقض.
وأيضًا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسبتها١ تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حالَ العدم مخاطرة وقمار. وبذلك علَّل النبي ﷺ المنعَ حيث قال: «أرأيتَ إن منع الله الثمرة، فبمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»٢. وأما ما ليس له إلا حال واحدة٣
(١) في النسخ المطبوعة: «ومناسباتها».
(٢) أخرجه البخاري (٢١٩٨) ومسلم (١٥٥٥) من حديث أنس بن مالك.
(٣) في النسخ المطبوعة: «حال واحد».
والغالب فيه السلامة، فليس العقد عليه مخاطرةً ولا قمارًا. وإن كان فيه مخاطرة يسيرة، فالحاجة داعية إليه. ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحُهما. والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يزيل١ أدنى الضررين بأعلاهما.
بل قاعدة الشريعة ضد ذلك، وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما. ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة، لأن ضرر المنع من ذلك أشدُّ من ضرر المزابنة. ولمَّا حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم [٢٤٩/أ] للضرورة. ولما حَرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة٢ للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب.
فإن قلت: فهذا كلُّه على خلاف القياس.
قيل: إن أردت أن الفرع اختصَّ بوصف أوجبَ٣ الفرق بينه وبين الأصل، فكلُّ حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على٤ خلاف القياس الفاسد. وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعًا، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة. والشيء إذا شابه غيرَه في وصفٍ وفارقه في وصفٍ كان اختلافهما في