بالعرف. فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع. فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنذر أوسع من [٢٥١/ب] الواجب بالشرع.
وأيضًا فقولكم: «إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه» أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح. وإن أردتم الثاني فممنوع، فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجَب العقد المقيّد ما قُيِّد به، كما أن موجَب العقد المقيَّد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قُيِّد به، وإن كان موجَبه عند إطلاقه خلاف ذلك. فموجَب العقد المطلق شيء، وموجَب العقد المقيد شيء. والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين. والنبيُّ ﷺ جوَّز بيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح مستحقّة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجَبَ العقد القبض في الحال، بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها. ودخل فيما أذِن فيه بيعُ ما هو معدوم لم يُخلَق بعد، وقبضُ ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة. وهو قبضٌ يبيح التصرف في أصح القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع، كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث: أهل بلدته وأهل سنته. وهو مذهب الشافعي قطعًا، فإنه علَّق القول به على صحة الحديث، وقد صحَّ صحةً لا ريب فيها من غير الطريق التي توقَّف فيها الشافعي١. فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال: إن صحَّ الحديث قلتُ به، ورواه من
(١) في النسخ المطبوعة: «الشافعي فيها».
طريقٍ توقَّف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها. وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كلَّ قبضٍ [٢٥٢/أ] جوَّز التصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان. فقبضُ العين المؤجرة يجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبضُ العين المُسْتامة والمستعارة والمغصوبة يوجب١ الضمان ولا يجوِّز التصرف.
فصل
ومن هذا الباب: بيع المقاثئ والمباطخ والباذنجان. فمن منع بيعه إلا لَقطةً لقطةً قال: لأنه معدوم٢، فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها. ومن جوَّزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد، فقولهم أصحّ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه، ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك. ولو كُلِّف الناس به لكان أشقَّ شيء عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به. وقد تقدَّم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه. وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها٣ لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدوِّ صلاحها. ونظيرُ ما نهى عنه وأذِن فيه سواءً٤: بيعُ المقاثئ إذا بدا الصلاح فيها. ودخولُ الأجزاء والأعيان التي لم تُخلَق بعدُ كدخول
(١) «يوجب» ساقط من ع، وفي حاشيتها: «ينقل»، وفوقه علامة «ظ». بمعنى: أن الظاهر أن الساقط لفظ «ينقل»، ويدلّ عليه السياق.
(٢) ع: «بيع معدوم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ع: «الصلاح» هنا وفيما يأتي. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) أثبتوا في النسخ المطبوعة: «سوى»، ونبَّهوا على أن الكلام غير تام. ولعل الصواب ما أثبت من النسخ الخطية، وانظر ما يأتي في المثال الخامس والستين عن جواز بيع المقاثئ بعد بدوِّ صلاحها.