طريقٍ توقَّف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها. وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كلَّ قبضٍ [٢٥٢/أ] جوَّز التصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان. فقبضُ العين المؤجرة يجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبضُ العين المُسْتامة والمستعارة والمغصوبة يوجب١ الضمان ولا يجوِّز التصرف.
فصل
ومن هذا الباب: بيع المقاثئ والمباطخ والباذنجان. فمن منع بيعه إلا لَقطةً لقطةً قال: لأنه معدوم٢، فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها. ومن جوَّزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد، فقولهم أصحّ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه، ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك. ولو كُلِّف الناس به لكان أشقَّ شيء عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به. وقد تقدَّم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه. وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها٣ لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدوِّ صلاحها. ونظيرُ ما نهى عنه وأذِن فيه سواءً٤: بيعُ المقاثئ إذا بدا الصلاح فيها. ودخولُ الأجزاء والأعيان التي لم تُخلَق بعدُ كدخول
(١) «يوجب» ساقط من ع، وفي حاشيتها: «ينقل»، وفوقه علامة «ظ». بمعنى: أن الظاهر أن الساقط لفظ «ينقل»، ويدلّ عليه السياق.
(٢) ع: «بيع معدوم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ع: «الصلاح» هنا وفيما يأتي. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) أثبتوا في النسخ المطبوعة: «سوى»، ونبَّهوا على أن الكلام غير تام. ولعل الصواب ما أثبت من النسخ الخطية، وانظر ما يأتي في المثال الخامس والستين عن جواز بيع المقاثئ بعد بدوِّ صلاحها.
أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة.
فصل
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدلَّ عليه دليل شرعي، بل دلَّ على خلافه ــ وهو بيع المعدوم ــ بطلانَ ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيعٌ للثمر١ قبل ظهوره أو قبل بدوِّ صلاحه. ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه، وليس كما ظنوه٢، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تُجمع الأمة على بطلانه. فلا نصَّ مع المانعين، ولا قياس، ولا إجماع. ونحن نبيِّن انتفاء هذه الأمور الثلاثة:
أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمَّن حديقة أُسَيد [٢٥٢/ب] بن حُضَير ثلاث سنين، وتسلَّف الضمان، فقضى به دينًا كان على أُسَيد٣. وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد. ومن جعل مثل هذا إجماعًا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك.
وأقلُّ درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة الراشد، ولم ينكره٤ منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء.
(١) ت، ع: «بيع الثمر».
(٢) في طبعة الوكيل: «وليس مع المانعين كما ظنوه». وفي غيرها: «... مع المانعين [حجة على ما] ظنُّوه». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية. وفي «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٨): «وليس كما قال».
(٣) رواه أبو العباس السرّاج في «التاريخ» ــ ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٨٧٦) ــ من رواية محمد بن المنكدر، ورجاله ثقات، لكنه منقطع. ويُنظر: «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٤٥).