إعلام الموقعين

الصحيح مع المجوِّزين، كما معهم الإجماع القديم.

فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقدُ الإجارة إنما يكون على المنافع. قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله [٢٥٣/أ] في الأصل المستأجر، كما حصل الحبُّ بعمله في الأرض المستأجرة.

فإن قيل: الفرق أن الحبَّ حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجِّر. قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع١ في المساقاة والمزارعة فسوَّى بينهما. والمساقي يستحق جزءً من الثمرة الناشئة من أصل المالك٢، والمزارع يستحق جزءً من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة. فإذا لم يؤثِّر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركًا لم يؤثِّر في الإجارة بطريق الأولى، لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة. فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز٣ من المزارعة، فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها. فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة. وبالله التوفيق.

والذين منعوا ذلك وحرَّموه توصَّلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجِّرونه الأرض وليست مقصودًا٤ له البتة، ويساقونه على

  1. (١) ت، ع: «الشرع».
  2. (٢) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تابعه: «الملك». والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٩).
  3. (٣) ع: «أجود»، تصحيف.
  4. (٤) كذا في النسخ الخطية. وفي المطبوعة: «مقصودة».
280

الشجر من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة. فجعلوا ما لم يُقصَد مقصودًا، وما قُصِد غيرَ مقصود، وحابَوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولَّى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون. ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوِّغ لهم محاباةَ المستأجر في المساقاة. ولا يسوغ اشتراطُ أحد العقدين في الآخر، بل كلُّ عقد مستقلٌّ بحكمه. فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من [٢٥٣/ب] القياس، والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة أبعدُ ممَّا١ بين المشرقين؟

فصل

فهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبيَّن بطلانه.

وأما المقام الثاني ــ وهو أن الإجارة التي أذِن الله فيها في كتابه، وهي إجارة الظئر على خلاف القياس ــ فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد. وهو أن المستحَقَّ بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه نصُّ٢ كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس صحيح. بل الذي دلَّت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها، حكمُها حكمُ المنافع، كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر. ولهذا سوَّى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «بُعدما».
  2. (٢) «نص» ساقط من النسخ المطبوعة.
281

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي