إعلام الموقعين

للمرتهن: «لا رجوع لك» كان فيه١ إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان. فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار.

فإن قيل: ففي هذا أن من أدَّى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله. وهذا خلاف القياس، فإنه إلزام له بما لم يلتزمه٢، ومعاوضة لم يرضَ بها.

قيل: وهذا أيضًا محض القياس٣ والعدل والمصلحة، وموجَب الكتاب، ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته. فلو أدَّى عنه دينه، أو أنفق على من تلزمه نفقته، أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرُّع= فله الرجوع. وبعض أصحاب أحمد فرَّق بين قضاء الدين ونفقة القريب، فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا. قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع٤، والمحققون من أصحابه سوَّوا بينهما. ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء، وليس ذلك دينًا عليه.

والقرآن يدل على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدًا ولا إذنَ الأب. وكذلك قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [٢٥٩/أ] وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».
  2. (٢) ت، ع: «لم يلزمه».
  3. (٣) ع: «قيل هذا محض القياس».
  4. (٤) لم يرد هذا التصويب في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٠).
293

ذلك عليه، ولم يشترط عقدًا ولا إذنًا. ونفقة الحيوان واجبة على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربِّه كان أحقَّ بالرجوع من الإنفاق على ولده. فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر. فإذا رضي المنفِق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، وذلك خير محض. فلو لم يأت به النصُّ لكان القياس يقتضيه. وطردُ هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن.

فصل

ومما قيل: إنه من أبعد الأحاديث عن القياس: حديث الحسن عن قَبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبِّق أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته: «إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيِّدتها مثلُها، وإن كانت طاوَعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها»١.

وفي رواية أخرى: «وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها»

  1. (١) رواه أحمد (١٥٩١١، ٢٠٠٦٠، ٢٠٠٦٣ - ٢٠٠٦٧، ٢٠٠٦٩)، وأبو داود (٤٤٦٠)، والنسائي (٣٣٦٣، ٣٣٦٤) من حديث سلمة بن المحبق مرفوعا، وهو حديثٌ منكرٌ، لا يصحّ. ورواه ابن ماجه (٢٥٥٢) مختصرًا جدًّا.
    قال النسائي في «السنن الكبرى» (٧١٩٥): «ليس في هذا الباب شيءٌ صحيحٌ يُحتجُّ به». أما ابن عبد البر، فقد قطع بصحّته في «الاستذكار» (٧/ ٥٢٨ - ٥٢٩). ويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٧٢)، و«السنن» لأبي داود (٤٤١٧)، و«ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٢٥)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٣٤٦).
294

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي