رواه أهل السنن١. وضعَّفه بعضهم من قبل إسناده، وهو حديث حسن يحتجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده.
قال شيخ الإسلام٢: وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة [٢٥٩/ب] كلٌّ منها قول طائفة من الفقهاء:
أحدها: أن من غيَّر مال غيره بحيث فوَّت مقصودَه عليه، فله أن يضمنه بمثله. وهذا كما لو تصرَّف في المغصوب بما أزال اسمه، ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنه باقٍ على ملك صاحبه، وعلى الغاصب ضمان النقص، ولا شيء له٣ في الزيادة كقول الشافعي. والثاني: يملكه الغاصب بذلك، ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة. والثالث: يخيَّر المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. وهذا أعدل الأقوال وأقواها.
فإن فوَّت صفاته المعنوية ــ مثل أن ينسيه صناعته، أو يضعف قوته، أو يفسد عقله أو دينه ــ فهذا أيضًا يخيَّر المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. ولو قطع ذنب بغلة القاضي، فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذِّر مقصودها على المالك في العادة، أو يخيَّر المالك٤.
(١) رواه أبو داود (٤٤٦١)، والنسائي في «المجتبى» (٣٣٦٤)، وفي «السنن الكبرى» (٧١٩٤)، ولا يصح.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٢)، والكلام متصل بما سبق.
(٣) ع: «عليه». وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٢).
(٤) «في العادة أو يخير المالك» ساقط من ع.
فصل
الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه ردَّ مثله، كما اقترض النبي ﷺ بَكْرًا، وردَّ خيرًا منه١. وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة٢. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وقصة داود وسليمان من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرثَ القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة. ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم٣[٢٦٠/أ] بالقيمة. وأما سليمان فحَكَم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمَّنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلَّة الحرث إلى أن يعود.
وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان. وقال ربيعة وأبو الزناد٤: عليه القيمة. فغلَّظ الزهري القولَ فيهما. وقول الزهري وحكم سليمان هو موجَب الأدلة، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾[الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا