وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كلِّ وجه متعذِّرًا١، فقد دار الأمر بين شيئين: الضَّمانِ بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع، وإن ساوت المضمون في المالية؛ والضَّمانِ بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع. ولا ريب أن هذا أقرب إلى النص والقياس والعدل. ونظير هذا ما ثبت بالسنَّة٢ واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدَّم تقرير ذلك٣. وإذا كانت المماثلة من كلِّ وجه متعذرةً حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى [٢٦٠/ب] بالصواب. ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجَب النص. وبالله التوفيق.
(١) في النسخ الخطية: «متعذِّر».
(٢) روى أحمد (١١٢٢٩)، وأبو داود (٤٥٣٦)، والنسائي (٤٧٧٣، ٤٧٧٤) من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ أقاد من نفسه من طعنة بعرجون. وفي سنده: عَبِيدة بن مُسافع، وهو مجهول الحال، وقد قال ابن المديني: «ولا أدري: سمع من أبي سعيد أم لا؟». لكن ابن حبان صحّحه (٧٢٨٠). وله شاهد رواه عبد الرزاق (١٨٠٤٢) من مرسل سعيد بن المسيب. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٢٨٥٨٣)، و«المجتبى» للنسائي (٤٧٧٧).
(٣) انظر (٢/ ١١٩) وما بعدها.
الأصل الثالث: أن من مثَّل بعبده عتَق عليه. وهذا مذهب فقهاء الحديث، وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي ﷺ١ وأصحابه كعمر بن الخطاب٢ وغيره.
فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل. فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها، فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية، ولا تمكن سيدتها من استخدامها حقَّ الخدمة، لغيرتها منها وطمعها في السيِّد، واستشراف السيِّد إليها. وتتشامخ على سيدتها، فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك. والجاني إذا تصرَّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشارع لسيِّدتها بالمثل، وملَّكه الجاريةَ، إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض. وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرِّمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك. فإذا لم ترضَ وعلمت أن الأمة قد فسدت
(١) رواه أحمد (٦٧١٠، ٧٠٩٦)، وأبو داود (٤٥١٩)، وابن ماجه (٢٦٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. ويشهد له الحديث الآتي عَقِبَ هذا. ويُنظر أيضًا: «المسند الصحيح» لمسلم (١٦٥٧، ١٦٥٨).
(٢) رواه الطحاوي في «بيان المشكل» (١٣/ ٣٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢٥٠/ب)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨٦٥٧)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ١١٨)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٥٦٣)، والحاكم (٢/ ٢١٥ - ٢١٦، ٤//٣٦٨) ــ وصحّح سنده! ــ، والبيهقي (٨/ ٣٦). وفي سندِ الخبرِ: عمرُ بن عيسى القرشي، وهو واهٍ، منكر الحديث. ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٧٩٢٨ - ١٧٩٣١)، و«المحلى» لابن حزم (٩/ ٢١٢)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٧١ - ٧٢)، و«لسان الميزان» لابن حجر (٦/ ١٢٨ - ١٣٠).