فإن قيل: فهَبْ أنكم خرَّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحدِّ عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك؟
قيل: الحديث لم يتعرَّض للحدِّ بنفي ولا إثبات، وإنما دلَّ على الضمان وكيفيته.
فإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: أنها إن كانت أحلَّتها له جُلِد مائةً١، وإن لم تكن أحلَّتها له رُجِم بالحجارة٢، على القياس.
قيل: هو بحمد الله موافق للقياس، مطابق لأصول الشريعة [٢٦٢/أ] وقواعدها؛ فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحدِّ عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرَّمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبهةً دارئةً للحدِّ عنه.
(١) في النسخ المطبوعة بعدها: «جلدة».
(٢) رواه أحمد (١٨٣٩٧، ١٨٤٤٤ - ١٨٤٤٦)، وأبو داود (٤٤٥٨، ٤٤٥٩)، والترمذي (١٤٥١، ١٤٥٢)، وابن ماجه (٢٥٥١)، والنسائي (٣٣٦٠، ٣٣٦١، ٣٣٦٢)، وفي «السنن الكبرى» (٥٥٢٦ - ٥٥٣٠) من حديث النعمان بن بشير مرفوعا. وقال الترمذي: «في إسناده اضطرابٌ ...». ونقل المزي في «تحفة الأشراف» (٩/ ١٧) قول النسائي: «أحاديث النعمان هذه مضطربة». وضعّفه أيضًا الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٣٣٠)، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧). ويُنظر: «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٢٤)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٢٣٩).
فإن قيل: فكيف تخرِّجون التعزير بالمائة على القياس؟
قيل: هذا من أسهل الأمور، فإن التعزير لا يتقدَّر بقدر معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها. وعمر بن الخطاب قد تنوَّع تعزُيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس١، وتارةً بالنفي٢، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله ﷺ وأبو بكر٣، وتارةً بتحريق حانوت الخمار٤. وكذلك تعزير الغالِّ، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه٥.
(٢) رواه النسائي (٥٦٧٦)، وفي «السنن الكبرى» (٥١٦٦) من طريق سعيد بن المسيب، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٣٨٦): «هذا إسنادٌ جيّدٌ غريبٌ». ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٧٠٤٣، ١٧٠٤٤).
(٣) سيأتي تخريجه في (٢/ ٤١١).
(٤) رواه ابن وهب في «الجامع» (٦٢ - ٦٤)، وعبد الرزاق (١٠٠٥١، ١٧٠٣٥، ١٧٠٣٦، ١٧٠٣٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (٢٦٧، ٢٨٧)، وابن زنجويه في «الأموال» (٤١٠)، وعمر بن شبّة في «أخبار المدينة» (١/ ٢٥٠)، والدولابي في «الكنى» (٢/ ٥٨٤).
(٥) رواه أحمد (١٤٤)، وأبو داود (٢٧١٣)، والترمذي (١٤٦١) من حديث عمر مرفوعا. قال علي ابن المديني: «هذا حديث منكر، يُنكره أصحاب الحديث». وقال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ». ثم نقل عن البخاري إعلاله بصالح بن محمد بن زائدة (وهو منكر الحديث)، وبأن أكثر الأحاديث ليس فيها إحراق متاع الغالّ. وأعلّه أيضًا أبو داود (٢٧١٤)، والبيهقي (٩/ ١٠٢). وأغرب الحاكم فصححه (٢/ ١٢٧ - ١٢٨). ويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٢٩١)، و«ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٣١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٩/ ١٠٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٧/ ٤٤)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١/ ٣١٠ - ٣١٢)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ١٨٧). ورواه أبو داود (٢٧١٥) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وصححه الحاكم (٢/ ١٣٠ - ١٣١)، مع أن في سنده زهير بن محمد التميمي، ورواية الشاميين عنه منكرة جدّا (وهذه منها)، وقد اضطرب في هذا الحديث، فكان يُسنده تارة، وأحيانًا يجعله من قول عمرو بن شعيب، وقد بيّن ذلك أبو داود.