فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطرَ الآكل والشارب. فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر، ولا تعرض فيه للمانع. وقد عُلِم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج، فكذلك الخطأ والجهل. والله أعلم١.
فصل٢
ومما يُظَنّ٣ أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود. فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجَّلَ امرأته أربع سنين، وأمرها أن تتزوج. فقدِم المفقود بعد ذلك، فخيَّره عمُر بين امرأته وبين مهرها٤.
فذهب الإمام أحمد إلى ذلك. وقال: ما أدري مَن ذهب إلى غير ذلك، إلى أيِّ شيء يذهب؟٥ وقال أبو داود في «مسائله»٦: سمعت أحمد ــ وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ ــ فقال: ما في نفسي [٢٦٥/ب] منه
(١) وانظر: «تهذيب السنن» (٢/ ٢٦ - ٣١).
(٢) انظر هذا الفصل في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢) باختلاف يسير.
(٣) ت، ع: «ظن». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) رواه عبد الرزاق (١٢٣٢٢)، وسعيد بن منصور (١٧٥٥). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٢٣١٧ - ١٢٣٢٤)، و«السنن» لسعيد بن منصور (١٧٥٢ - ١٧٥٤)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (١٦٩٨٥، ١٦٩٨٧ - ١٦٩٨٩)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٢٤٠).
(٥) انظر نحوه في «المغني» (١١/ ٢٤٨).
(٦) انظر: نشرة طارق بن عوض الله (ص ٢٤٤).
شيء. هذا خمسةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ أمروها أن تتربَّص. قال أحمد: هذا من ضيق علم الرجل أن لا يتكلَّم في امرأة المفقود١.
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس. والقياس أنها زوجة القادم بكلِّ حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا، فتكون زوجة الثاني بكلِّ حال. وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك، فقالوا: لو حكَم حاكم بقول عمر في ذلك لنُقِضَ حكمُه، لبعده عن القياس.
وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُرَدُّ إلى الأول. وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول.
قال شيخنا٢: من خالف عمر٣ لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر. وهذا إنما يتبيَّن بأصل، وهو وقفُ العقود إذا تصرَّف الرجلُ في حقِّ الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. والثانية أنها لا تقف، وهو أشهر قولي الشافعي، وهذا في النكاح والبيع والإجارة.
(١) لم ترد أقوال أحمد في «مجموع الفتاوى» في هذا الفصل.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦).
(٣) ع: «قول عمر»، بزيادة «قول» ولم ترد في غيرها ولا «مجموع الفتاوى».