فلَأن يكون الصوابُ معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.
قال شيخنا١: وقد تأمّلتُ من هذا الباب ما شاء الله، فرأيتُ الصحابة أفقهَ الأمة وأعلمَها. اعتبِرْ هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط. فالمنقول فيها عن الصحابة [٢٦٨/ب] هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس. وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجودَ الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة. وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجَلِّ العلوم. وإنما يعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام. والله أعلم. انتهى٢.
فصل
ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس: مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمَّى «مسألة الزُّبْيَة».
(٢) يعني: كلام شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٣) وقد بدأ النقل منه في (ص ٢٣٣) من نشرتنا هذه.
وأصلها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبيةً للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوَى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالثُ رابعًا، فقتلهم الأسد. فرُفِع ذلك إلى علي بن أبي طالب١ وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وقال: أجعل الدية على مَن حضَر رأس [٢٦٩/أ] البئر. فرُفِع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «هو كما قال». رواه سعيد بن منصور في «سننه»، ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصنعاني٢ عن علي٣. فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفًا على خلاف القياس٤.
والصواب أنه مقتضى القياس والعدل. وهذا يتبيَّن بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمونٍ ومهدَرٍ سقط ما يقابل المهدر، واعتُبِر ما يقابل المضمون؛ كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا، أو حيوانًا= سقط ما يقابل حقَّه، ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه. وكذلك لو اشترك اثنان في إتلافِ مال أحدهما أو قتلِ عبده أو حيوانه سقط
(١) في النسخ المطبوعة: «أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في الجنة».
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا في «المغني» لابن قدامة (١٢/ ٨٧ - ٨٨) ومنه ينقل المصنف.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٤٥١، ٢٩٧٠٦) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن حَنَشِ بن المعتمر الكناني به. ورواه أحمد (٥٧٣، ٥٧٤، ١٠٦٣، ١٣١٠) من طريقيْن آخريْن عن سماك، عن حنش ... وقد تكلّموا في حنشٍ، وفي حديثه هذا. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠).