ولذلك١ لو فعله قصدًا٢ لم يضمنه بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى. ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانٌ بقصده. قال أبو محمد المقدسي في «المغني»٣: لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع.
والقياسُ حكمُ عمر، لوجوه٤:
أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره.
الثاني: أنه٥ قد يكون قوده له مستحبًّا أو واجبًا. ومَن فعَلَ ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمانُ ما تولَّد منه.
الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان: إذن الشارع، وإذن الأعمى. فهو محسِن بامتثال أمر الشارع، محسِن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل. وأما الأعمى فإنه سقط على البصير، فقتله، فوجب عليه ضمانه؛ كما لو سقط إنسان من سطح على آخر، فقتله. فهذا هو القياس.
وقولهم: «هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه»، فهذا لا يوجب
(١) ع: «وكذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «المغني» كما أثبت.
(٢) في النسخ المطبوعة بعده: «منه». ولم يرد في «المغني» ولا النسخ الخطية.
(٣) انظر: (١٢/ ٨٤ - ٨٥) والكلام متصل. وبدايته من قوله: «علي بن رباح اللخمي أن رجلًا ...».
(٤) الوجهان الأولان مأخوذان من «المغني».
(٥) «أنه» ساقط من النسخ المطبوعة.
الضمان١؛ لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع. وقولهم: «ولذلك٢ لو فعله قصدًا لم يضمنه»، فصحيحٌ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع.
فالقياس المحض قول عمر. وبالله التوفيق.
فصل
ومما٣ أشكل على جمهور الفقهاء [٢٧٢/أ] وظنوه في غاية البعد عن القياس: الحكم الذي حكم به عليُّ بن أبي طالب في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرَعَ بينهم فيه٤.
ونحن نذكر هذه الحكومة، ونبيِّن مطابقتها للقياس. فذكر أبو داود والنسائي٥
من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت
(١) يعني: على البصير.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وكذلك»، والصواب ما أثبت كما سبق.
(٥) رواه أحمد (١٩٣٤٢، ١٩٣٤٤)، وأبو داود (٢٢٦٩)، والنسائي (٣٤٨٩، ٣٤٩٠)، وفي «السنن الكبرى» (٥٦٥٣، ٥٩٩٥) من طرق عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن (أبي) الخليل، عن زيد بن أرقم ﵁. وعبد الله هذا مجهول الحال، والأجلح هو ابن عبد الله الكندي، وهو صدوقٌ، فيه لِينٌ، وقد اختُلف عليه في سنده، فرواه على هذا الوجه، ورُوي أيضًا عنه، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم، كذا رواه أحمد (١٩٣٢٩). وقد خالفه الثقة الثبت المُتقِن سلمة (وهو ابنُ كُهَيْلٍ)، فرواه عن الشعبي، عن (أبي) الخليل ــ أو ابن (أبي) خليل ــ فذكره موقوفا، ولم يرفعه، ولا أسنده عن زيد بن أرقم، ولا ذكر (اليمن)، ولا قوله: «طِيبَا بالولد». كذا رواه أبو داود (٢٢٧١)، والنسائي (٣٤٩٢)، وفي «السنن الكبرى» (٥٦٥٦) من طريق شعبة (وهو ابن الحجّاج)، عن سلمة به. وقال النسائي: «وسلمة بن كُهيل أثبتُهم، وحديثُه أولى بالصواب، والله أعلم». وكذا رجّح هذا أبو حاتم الرازي [كما في «العلل» لابنه عبد الرحمن (١٢٠٤)]، والبيهقي (١٠/ ٢٦٧). ونقل ابن عبد الهادي في المحرر (١٠٨١) قول الإمام أحمد: «هو حديث منكر». أما الحاكم، فصحّحه (٢/ ٢٠٧). ويُنظر: «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٢٣١٧)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ١١٧ - ١١٩)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١٠/ ٢٦٧ - ٢٦٨).