عن تهويد الأبوين وتنصيرهما بناءً على الغالب، وهذا لا مفهوم له لوجهين: أحدهما أنه مفهوم لقب. الثاني١: أنه خرج مخرج الغالب.
ومما يدل على ذلك: العمل المستمرّ من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال. ولم يتعرَّض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون. ومثل هذا لا يُهمله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين٢.
فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلم طفلًا كافرًا يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرِّقون بينه وبين السابي؟ وصورة المسألة فيما إذا زوَّج الذميُّ [٢٧٧/أ] عبدَه الكافر من أمته فجاءت بولد، أو تزوج الحرُّ منهم بأمة، فأولدها= ثم باع السيِّد هذا الولد لمسلم.
قيل: نعم نطرده، ونحكم بإسلامه. قاله شيخنا قدَّس الله روحه. ولكن جادة المذهب أنه باقٍ على كفره كما لو سُبِيَ مع أبويه وأولى. والصحيح قول شيخنا، لأن تبعيته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاة والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين، وصار المالك أحقَّ به، وهو تابع له، فلا يُفرَد عنه بحكم، فكيف يُفرَد عنه في دينه؟ وهذا طردُ الحكم بإسلامه في مسألة السباء. وبالله التوفيق.
(١) في النسخ المطبوعة: «والثاني».
(٢) وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٠٥٣).
فصل
فهذه نبذة يسيرة تُطلعك على ما وراءها، من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا؛ كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودًا وعدمًا، فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل.
ولنفاة الحكم والتعليل والقياس هاهنا سؤال مشهور، وهو أن الشريعة قد فرَّقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع١:
فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البول والمذي وهو نجس.
وأوجب غسلَ الثوب من بول الصبية، والنضحَ من بول الصبي، مع تساويهما.
ونقَص الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية، وأبقى الثلاثية [٢٧٧/ب] والثنائية على حالهما.
وأوجب الصوم٢ على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها.
(١) انظر جملة من المسائل الآتية في «الفصول» للجصاص (٤/ ٨٥) و«المحصول» للرازي (٥/ ١٠٧) و«الإحكام» للآمدي (٤/ ٨، ٥٩).
(٢) في النسخ المطبوعة: «قضاء الصوم»، والظاهر أن الزيادة من تصرف بعض النساخ أو الناشرين. وانظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ٨) وهو مصدر النقل.