شهر رمضان سيد الشهور، ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام، وجعل مكان البيت أفضل بقاع الأرض.
قالوا: وإذا كانت الشريعة قد [٢٧٩/ب] جاءت بالتفريق بين المتماثلاث والجمع بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد، وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كلٍّ منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير= بطل القياس، فإن مبناه على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس.
والجواب أن يقال: الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله. وآن لحزب الحق أن لا تأخذه١ في الله لومة لائم، وأن لا يتحيَّزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكلِّ قولٍ حقٍّ قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا من كان، ويردُّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان. فهذه طريقة أهل العصبية وحمية الجاهلية٢. ولَعمرُ الله إن صاحب هذه الطريقة لَمضمونٌ له الذمُّ، وغير ممدوح إن أصاب. وهذه٣ حالٌ لا يرضى بها مَن نصح نفسَه وهُديَ لرشده، والله الموفق.
(١) ت، ع: «تأخذهم». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «أهل الجاهلية» بزيادة كلمة «أهل».
(٣) في النسخ المطبوعة: «وهذا».
وجواب هذا السؤال من طريقين: مجمل ومفصل:
أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من أبيَن الأدلة [٢٨٠/أ] على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقول السليمة والفِطَر المستقيمة، حيث فرَّقت بين أحكام هذه الصور المذكورة، لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقَها في الأحكام. ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجَّه السؤالُ، وصعُبَ الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت١ الشيء إلى غير شِبهه في الحكم. وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنًى قام بها أوجَبَ اختصاصَها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكمٍ إلّا لاشتراكهما في المعنى المقتضى لذلك الحكم. ولا يضرُّ افتراقُهما في غيره كما لا ينفع اشتراكُ المختلفين في معنًى لا يوجب الحكم. فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعاني التي لأجلها شُرِعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا.
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة. فأجاب ابن الخطيب عنه بأن قال٢: «غالبُ أحكام الشرع٣ معلَّلة برعاية المصالح المعلومة، والخصمُ إنما بيَّن خلاف ذلك في صور قليلة جدًّا. وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في