إعلام الموقعين

والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان، وأن١ القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه، وإن كان القعود٢ في ذلك الموضع متيقَّنًا٣. وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كلٍّ منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين؛ على أن ذلك يؤكِّد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما، لأن كلَّ واحد منهما قد ساوى الآخرَ فيما لأجله قد وجب [٢٨١/ب] له الحكم؛ إما لذاته كالسوادين، أو لعلَّةٍ أوجبت ذلك كالأسودين. وهكذا القول في المختلفين. وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس، لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم، كما أن الله تعالى إنما نصَّ على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما. فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه».

وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: «دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلةٌ في نفسها دعوى! والأمثلة لا تشهد لها. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض، ويفترقان في وجوب القضاء؛ والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. وأيضًا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. وأيضًا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود

  1. (١) ح، ت، ف: «فإن»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «العدّة» كما أثبت من ع.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «المقصود».
  3. (٣) ت: «منتفيًا». وفي «العدة»: «متفقًا».
349

المعنى الذي ذكره».

فهذه أجوبة النظار. ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.

أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع الغسلَ من المني دون البول؛ فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه: ﴿سُلَالَةٍ﴾، لأنه يُسَلُّ١ من جميع البدن. وأما البول [٢٨٢/أ] فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثُّرُ البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.

وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. بل جميع الأرواح القائمة بالبدن، فإنها تقوى بالاغتسال. والغسل يُخْلِف عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعلَم٢ بالحس. وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسلُ يُحدِث له نشاطًا وخفّةً. ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيتُ عنِّي جبلًا٣.

وبالجملة فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تُحدثه الجنابة من بُعدِ القلب والروح عن الأرواح

  1. (١) ت: «يسيل»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وفي ع: «يخرج».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «يعرف».
  3. (٣) تقدم تخريجه.
350

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي