فهذا كله لا يسوغ فيه التقدير الذي ذكروه، والله أعلم.
وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم، كزيادتها في "زُرْقُم" لشديد الزرقة، "وابْنُم" في الابن، وهذا القول صحيح، ولكن٢ يحتاج إلى تتمة، وقائله لحظ معنى صحيحًا لا بد من بيانه.
وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مُطَّرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أساطين العربية، وعقد له أبو الفتح بن جِنِّي٣ بابًا في "الخصائص"٤، وذكره عن سيبويه٥، واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى، ثم قال: ولقد مكثت برهة يَرِدُ عَلَيَّ اللفظ لا أعلم موضوعه، فآخذ٦ معناه من قوة لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى، ثم أكشفه فأجده كما فهمته
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦) صفة الصلاة (٧٦١)، ومسلم في (٤) الصلاة (٤٨٤) من حديث عائشة ﵂.
(٢) من (ظ، ح) ووقع في (ب، ت، ش) (لكن).
(٣) هو عثمان بن جنّي النحوي من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وهو بالتصريف أعلم، له الخصائص في النحو واللمع وغيرهما، توفي سنة ٣٩٢ هـ. انظر: بغية الوعاة (٢/ ١٣٢).
(٤) انظر: الخصائص (١/ ٥٠٥).
(٥) انظر: الكتاب (٢/ ٢١٨).
(٦) من (ش، ظ) ووقع في (ح، ب) (وآخذ).
أو قريبًا منه، فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني، فقال: "وأنا كثيرًا ما يجري لي ذلك"، ثم ذكر لي فصلًا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة١ للمعنى الخفيف، والمتوسطة٢ للمتوسط، فيقولون: "عَزَّ يعَز" بفتح العين٣ إذا صلب "وأرض عَزاز" صلبة، ويقولون: "عَزَّ٤ يعِز" بكسرها إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبًا ولا يمتنع على كاسره، ثم يقولون: "عَزَّه يعُزُّه" إذا غَلبَه، قال الله تعالى في قصة داود: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ٢٣﴾[ص: ٢٣]، والغَلَبة أقوى من الامتناع، إذ قد يكون الشيء ممتنعًا في نفسه، متحصنًا عن٥ عدوه، ولا يغلب غيره، فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أضعف الحركات، والممتنع متوسط٦ بين المرتبتين فأعطوه الحركة٧ الوسط.
ونظير هذا قولهم: "ذِبْح" بكسر أوله للمحل المذبوح،
(١) انظر نحو هذا الكلام في "بدائع الفوائد" (١/ ١٦٦).