أو قريبًا منه، فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني، فقال: "وأنا كثيرًا ما يجري لي ذلك"، ثم ذكر لي فصلًا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة١ للمعنى الخفيف، والمتوسطة٢ للمتوسط، فيقولون: "عَزَّ يعَز" بفتح العين٣ إذا صلب "وأرض عَزاز" صلبة، ويقولون: "عَزَّ٤ يعِز" بكسرها إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبًا ولا يمتنع على كاسره، ثم يقولون: "عَزَّه يعُزُّه" إذا غَلبَه، قال الله تعالى في قصة داود: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ٢٣﴾[ص: ٢٣]، والغَلَبة أقوى من الامتناع، إذ قد يكون الشيء ممتنعًا في نفسه، متحصنًا عن٥ عدوه، ولا يغلب غيره، فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أضعف الحركات، والممتنع متوسط٦ بين المرتبتين فأعطوه الحركة٧ الوسط.
ونظير هذا قولهم: "ذِبْح" بكسر أوله للمحل المذبوح،
(١) انظر نحو هذا الكلام في "بدائع الفوائد" (١/ ١٦٦).
(٢) من (ظ) وفي (ب، ت، ش) (والمتوسط).
(٣) سقط من (ظ) (بفتح العين).
(٤) سقط من (ب) من قوله (يعَز) إلى (عزَّ).
(٥) في (ظ) (من).
(٦) من (ب، ت، ش، ظ) ووقع في (ح) (المتوسط).
(٧) من (ب، ت، ش، ظ) ووقع في (ح) (حركه).
و"ذَبْح" بفتحه لنفس الفعل، ولا ريب أن الجسم أقوى من العَرَض١، فأعطوا الحركة القوية للقوي، والضعيفة للضعيف، وهو مثل قولهم: (نَهِبَ) و(نَهَبَ) بالكسر للمنهوب، وبالفتح للفعل، وكقولهم: (مِلء) و(مَلء) بالكسر لما يملأ الشيء، وبالفتح للمصدر الذي هو الفعل. وكقولهم: (حِمْل) و(حَمْل) فبالكسر لما كان قويًّا٢ مثقلًا لحامله على ظهره أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه، والحَمْل بالفتح لما كان خفيفًا غير مثقل لحامله كحمل الحيوان، وحمل الشجرة به أشبه ففتحوه. وتأمَّل كونهم عكسوا هذا في الحِبّ والحُبّ، فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه للمصدر، إيذانًا بخفة المحبوب على قلوبهم، ولطف موقعه من أنفسهم٣، وحلاوته عندهم، وثقل حمل الحب ولزومه للمحب كما يلزم الغريم غريمه، ولهذا يسمى غرامًا، ولهذا كثر٤ وصفهم لتحمله بالشدة والصعوبة، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر٥ والحديد ونحوهما لو حمله لذاب٦ من حمله٧ ولم يَسْتقِل به، كما هو كثير في أشعار المتقدمين