جلاء الأفهام

و"ذَبْح" بفتحه لنفس الفعل، ولا ريب أن الجسم أقوى من العَرَض١، فأعطوا الحركة القوية للقوي، والضعيفة للضعيف، وهو مثل قولهم: (نَهِبَ) و(نَهَبَ) بالكسر للمنهوب، وبالفتح للفعل، وكقولهم: (مِلء) و(مَلء) بالكسر لما يملأ الشيء، وبالفتح للمصدر الذي هو الفعل. وكقولهم: (حِمْل) و(حَمْل) فبالكسر لما كان قويًّا٢ مثقلًا لحامله على ظهره أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه، والحَمْل بالفتح لما كان خفيفًا غير مثقل لحامله كحمل الحيوان، وحمل الشجرة به أشبه ففتحوه. وتأمَّل كونهم عكسوا هذا في الحِبّ والحُبّ، فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه للمصدر، إيذانًا بخفة المحبوب على قلوبهم، ولطف موقعه من أنفسهم٣، وحلاوته عندهم، وثقل حمل الحب ولزومه للمحب كما يلزم الغريم غريمه، ولهذا يسمى غرامًا، ولهذا كثر٤ وصفهم لتحمله بالشدة والصعوبة، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر٥ والحديد ونحوهما لو حمله لذاب٦ من حمله٧ ولم يَسْتقِل به، كما هو كثير في أشعار المتقدمين

  1. (١) من (ظ، ت، ب) ووقع في (ش) (الحركة).
  2. (٢) في (ظ) (مرئيًا)، وفي (ت) (مربيًا).
  3. (٣) في (ظ) (نفوسهم).
  4. (٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (أكثر).
  5. (٥) وقع في (ب) (الصخرة).
  6. (٦) وقع في (ب) (لذات).
  7. (٧) سقط من (ب، ت، ج) (مِنْ حَمْله).
148

والمتأخرين وكلامهم، فكان الأحسن أن يعطوا١ المصدر هنا الحركة القوية، والمحبوب الحركة التي هي أخف منها. ومن هذا قولهم: (قَبْض) بسكون وسطه للفعل، و(قَبَض) بتحريكه للمقبوض، والحركة أقوى من السكون، والمقبوض أقوى من المصدر. ونظيره: (سَبْق) بالسكون للفعل، و(سَبَق) بالفتح للمال المأخوذ في هذا العقد. وتأمَّل قولهم: (دار دَوَرانًا، وفارت القدر فَوَرانًا، وغلت غَلَيانًا)، كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المُسمَّى، فطابق اللفظ المعنى. وتأمَّل قولهم: (حَجَر وهَواء) كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة، ووضعوا للمعنى الخفيف هذه الحروف الهوائية التي هي من أخفِّ الحروف.

وهذا أكثر من أن يحاط به، وإنْ مَدَّ الله ﷿ في العمر وضعت فيه كتابًا مستقلًا إن شاء الله تعالى.

ومثل هذه المعاني يَسْتدعِي لطافة ذهن، ورقة طبع، ولا تتأتى مع غلظ القلوب، والرضى بأوائل٢ مسائل النَّحو والتَّصريف دون تأمُّلها وتدبُّرها، والنظر إلى حكمة الواضع ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق على أكثر العقول، وهذا باب ينبّه الفاضل على ما وراءه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ٤٠﴾ [النور: ٤٠]، وانظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي (بالعُتُلِّ)

  1. (١) وقع في (ب) (يعطوه) وهو خطأ.
  2. (٢) وقع في (ب) (بأول).
149

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي