وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى كما ذكر في غير هذا الموضع.
والدعاء ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف: ١٨٠].
والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك وذُلِّك، فتقول: أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير ونحو ذلك.
والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحدًا من الأمرين، فالأول أكمل من الثاني، والثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل.
وهذه عامة أدعية النبي ﷺ، وفي الدعاء الذي عَلَّمه صديق الأمة ﵁ ذكر الأقسام الثلاثة، فإنه قال في أوله١: "ظلمتُ نَفْسِي كثيرًا" وهذا حال السائل، ثم قال: "وإنَّه لا يَغْفِرُ
= وابن ماجه (٣٨٥٨) وغيرهم. من طرق عن أنس بن مالك. والحديث صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في (١٦) صفة الصلاة (٧٩٩)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار رقم (٢٧٠٥). ولفظه "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".
الذُّنوبَ إلا أنْتَ" وهذا حال المسؤول، ثم قال: "فاغْفِر لي" فذكر حاجته، وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه.
وهذا القول الذي اخترنا، قد جاء عن غير واحد من السلف.
قال الحسن البصري: "اللهم مجمع الدعاء"١.
وقال أبو رجاء العطاردي٢: إن الميم في قوله: "اللهم" فيها تسعة وتسعون اسمًا من أسماء الله تعالى٣.
وقال النضر بن شميل٤: "مَنْ قال: "اللهم" فقد دعا بجميع أسمائه"٥.
وقد وجه طائفةٌ هذا القول بأنَّ الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع، فإنها من مخرجها، فكأن الداعي بها يقول: "يا الله
(١) ذكره القرطبي في تفسيره (٤/ ٥٤) وفيه (.. تجمع الدعاء).
(٢) هو عمران بن ملحان، من كبار التابعين، مخضرم معمر ثقة مات سنة ١٠٥ هـ. انظر: التقريب (٥١٧١).
(٣) في البحر (٢/ ٤٣٦) (هذه الميم تجمع سبعين اسمًا من أسمائه).
(٤) هو المازني أبو الحسن النحوي اللغوي، وهو ثقة ثبت في الحديث له غريب الحديث، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: التقريب (٧١٣٥)، وبغية الوعاة (٢/ ٣١٦).
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (٤/ ٥٤)، وأبو حيان في البحر المحيط (٢/ ٤٣٦).