عَلَيْكُمْ﴾، قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء".
وهذا القول هو من جنس الذي١ قبله، وهما ضعيفان؛ لوجوه:
أحدها: أن الله سبحانه فَرَّقَ بين صلاته على عباده، ورحمته، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] فعطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم٢:
وألْفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا٣
فهو شاذ نادر، لا يحمل عليه أفصح الكلام٤، مع أن المَيْنَ أخَصُّ من الكذب.
الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها. فمن فَسَّرها بالرحمة فقد فسَّرها ببعض ثمرتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول ﷺ، تُفَسَّرُ اللفظة
(١) في (ظ، ت) (ما قبله).
(٢) سقط من (ظ، ت).
(٣) انظر مغني اللبيب ص ٤٦٧، والبيت منسوب لعدي بن زيد العبادي.
(٤) من (ظ، ت، ح، ش) وجاء في (ب) (أفضل).
بلازمها وجزء معناها، كتفسير الرَّيْب بالشَّكِّ؛ والشَّكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر؛ وهو جزء مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان؛ وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة، قد ذكرناها في أصول التفسير.
الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز التَّرحُّم١ على المؤمنين، واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على غير٢ الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين.
الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدًا وآل محمَّد" وليس الأمر كذلك.
الوجه الخامس: أنه لا يقال لمن رحم غيرَه ورقَّ عليه فأطعمه أو٣ سقاه أو [٣] كساه: إنه صلى عليه، ويقال: إنه قد رحمه.
الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمة ولا يصلي عليه.
(١) من (ظ، ت) وفي باقي النسخ (الرحمة) وهو خطأ.
(٢) في (ظ) (سائر) بدلًا من (غير)، وانظر ص ٥٤٧ وما بعدها.
(٣) من (ظ، ح، ش) ووقع في (ب) (وسقاه وكساه)، وفي (ت) (فأطعمه وسقاه أو كساه).